السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بلاغة النظم في القرآن هي وجه التحدي به. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بلاغة النظم في القرآن هي وجه التحدي به. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 12 يونيو 2017

بلاغة النظم في القرآن العظيم، هي وجه التحدي به 3- 3


بلاغة النظم في القرآن العظيم، هي وجه التحدي به 3- 3
نقلت كلاما في المقال السابق لبعضهم يدفع أن يكون وجه تحدي العرب بالقرآن العظيم هو ما فيه من بلاغة النظم، بدعوى أنه لم تأت إشارات إليه في كلام الصحابة رضي الله عنهم.
وذكرت أنه يحتاج إلى أن يتعقب، فأقول مستعينا بالله:
هذا الطرح فيه نظر من عدة جهات؛
الجهة الأولى : أن القراءات الشاذة لا يجزم بأنها من الأحرف السبعة كما لا يجزم بأنها ليست منه. إنما نجزم بأن هذا الذي بين أيدينا هو القرآن.
وطريقة الباحث في المقال اعتبار أن القراءات الشاذة هي من الأحرف السبعة، وأنها قرآن، وهذا لا يتفق مع عدم الجزم بكونها منها أو أو لا.
والبلاغيون الذين تكلمون عن وجه تحدي العرب بالقرآن الكريم، كان كلامهم في ما هو متفق على أنه القرآن العظيم؛ فالاعتراض عليهم لا يسلم.
الجهة الثانية : الآثار التي أشار إليها في آخر المقال لم يورد ما يدل على ثبوتها.
الجهة الثالثة : هذه الآثار وما في معناها يعتمد عليها من يقول أن رخصة الأحرف السبعة كانت في تجويز قراءة القرآن بالمعنى وأنها كانت في أول الأمر.
وهذا وإن قال به بعض كبار أهل العلم من الحنفية إلا أنه قول لا يتفق مع توقيف القراءات وأنها كلها من عند الله كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (هكذا أنزل) (كلاكما محسن).
فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن الأحرف السبعة كلها تنزيلية من عند الله، لا ترجع إلى رواية بالمعنى!
وأهل العلم يقررون بلاغة النظم القرآني فما ثبت أنه قرآن ففيه بلاغة النظم.
الجهة الرابعة : الباحث في المقال نفى أن يكون وجه البلاغة في نظم القرآن ثم سكت عن ذكر ما هو عنده البديل لوجه التحدي.
الجهة الخامسة : الباحث في المقال ذكر أن الله تعالى تحدى العرب في القرآن دون أن يذكر ملابسات القضية ... ولم يشر إلى ما ورد من ملاحظة العرب لأسلوب القرآن ونظمه الم يقل الوليد بن المغيرة : (أن له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان أسفله لمغدق وان أعلاه لمثمر وماهو بقول كاهن ولا شاعر...).
وما ورد عن الصحابة في ملاحظة دلالة اللفظ والتركيب في الآية يدل على ملاحظتهم ذلك
في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (8/ 643)
أخرج ابْن جرير عَن عَطاء بن يسَار قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي قَالَ {هم عَن صلَاتهم ساهون} وَلم يقل فِي صلَاتهم.
وهل استنباطات السلف من القرآن إلا ثمرة من ثمرات ملاحظة بلاغة النظم القرآني.

والله الموفق.

بلاغة النظم في القرآن العظيم، هي وجه التحدي به 2 - 3


بلاغة النظم في القرآن العظيم، هي وجه التحدي به 2 - 3
سقت تحت هذا العنوان كلام الخطابي رحمه الله، وهو من أئمة الحديث والفقه، واللغة، في تقرير ذلك.
وقد رأيت مقالاً، يذكر فيه صاحبه أن الالتفات إلى قضية بلاغة النظم لم تأت في كلام الصحابة. 
وأن جعلها محل تحدي العرب أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور منه، أو بسورة منه، لم يأت ما يدل عليه في كلامهم.
ويلاحظ صاحب المقال أن الذين تكلموا عن بلاغة النظم لم يذكروا توجيه كلامهم مع القراءات الشاذة التي تخالف في رسمها رسم المصحف، وقد جاء في لفظ بعض ألفاظ الآيات غير اللفظ الذي في المصحف، وأن هذا يقتضي إعادة النظر في اعتبار وجه بلاغة النظم في القرآن محل التحدي .
فهو يقول (المقال في جريدة الرياض – السعودية الصادر يوم الخميس 12جمادى الأولى 1438 هـ - 9 فبراير 2017م ) : " لم تُطرح قضية القراءات القرآنية الشاذة في كتب البلاغيين، ومنهم الباقلاني في "إعجاز القرآن" والجرجاني في "دلائل الإعجاز"، ولم يبحث هذان الشيخان فيها وفي أثر الروايات عن الصحابة والتابعين على فكرة الإعجاز البياني التي تبنّياها، وسعيا جاهدين إلى نشرها والدفاع عنها، والذي أذهب إليه أن هذه القراءات القرآنية الكثيرة تُظهر لنا بوضوح أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا ينظروا إلى القرآن نظرة البلاغيين أصحاب التحدي البياني؛ فهم لو صدروا عن هذه الرؤية، وآمنوا بذلكم التفسير للتحدي؛ لما كان لهم قراءات مروية خلاف الرسم القرآني؛ ولما امتلأت كتب التفسير بقراءاتهم التي تخالفه؛ لأن القراءة بخلاف الرسم، ووضع كلمات مكان أخرى، صورة جليّة على أن الإعجاز عندهم لم يكن بيانيا، وما كان على حدّ قول الجرجاني: "فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة يُنكر شأنها، أو يُرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور..." (الجرجاني، دلائل الإعجاز، 39)، ولو كان الصحابة يؤمنون بقول الجرجاني: "أو يُرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق" لما رُويت عنهم الروايات التي تُخالف الرسم، وتضع كلمة مكان أخرى، ولما وجدناهم يُسوّغون، كما سنشاهد بعد قليل، مخالفة الرسم، ووضع كلمة مكان أختها، محتجين أن القرآن الكريم أُنزل على سبعة أحرف، ولما وجدنا اللغويين، ومنهم ابن جني، يذهب مذهبهم، ويأخذ بنظرتهم تلك، ويُقدّم لنا تفسيرا لما رُوي عنهم في ذلك.
أمامي شاهدان من قراءات الصحابة، ومرجعهما معا "المحتسب" لابن جني، أولهما قوله: "وقرأ أنس فيما رواه عنه أبان: (وحططنا عنك وزرك)، قال: قلت: يا أبا حمزة (ووضعنا)، قال: وضعنا وحللنا وحططنا عنك وزرك سواء، إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ على سبعة أحرف..".
وثانيهما قوله: "عن أنس أنه قرأ: (وأصوب قيلا)، فقيل له: يا أبا حمزة: إنما هي: (وأقوم قيلا)، فقال: إن أقوم وأصوب وأهيأ واحد. قال أبو الفتح: هذا يُؤنس بأن القوم كانوا يعتبرون المعاني، ويخلدون إليها، فإذا حصّلوها وحصّنوها سامحوا أنفسهم في العبارات عنها".
لا تجتمع هذه الصورة التي يأخذها القراء من هاتين الحكايتين مع ما يقوله البلاغيون في الإعجاز البياني، ولو كانت رؤية البلاغيين حقا لا رجعة فيه؛ ما رأينا كتب التفسير ممتلئة بمثل هذه القراءات، وما وجدنا من الصحابة مَنْ لا يرى بأسا بتغيير الكلمة، ما دامت تُؤدي في ظنه المعنى المراد، وما كنا عثرنا على اللغويين، من أمثال ابن جني، الذين يُسوّغون ذا التغيير، ولا يرون فيه كبير خطأ في حق كتاب الله تعالى"اهـ.
وهذا الطرح فيه نظر من عدة جهات ، أبينها في المقال التالي إن شاء الله.

بلاغة النظم في القرآن العظيم، هي وجه التحدي به 1-3


بلاغة النظم في القرآن العظيم، هي وجه التحدي به 1-3
قال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388هـ) رحمه الله، في كتابه بيان إعجاز القرآن (ص: 27-29):
"القرآن إنما صار معجزًا لأَنه جاءَ بأَفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنًا أصح المعاني؛
من توحيد له عزت قدرته , وتنزيه له فى صفاته , ودعاء إلى طاعته .
وبيان بمنهاج عبادته؛ من تحليل وتحريم , وحضر وإباحة .
ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر .
وإرشاد إلى محاسن الأخلاق , وزجر عن مساوئها .
واضعًا كل شيءٍ منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه .
ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه .
مودعًا أخبار القرون الماضية .
وما نزل من مَثُلات الله بمن عصى وعاند منهم .
منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأَعصار الباقية من الزمان .
جامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له .
والدليل والمدلول عليه ؛
ليكون ذلك أوكد للزوم مادعا إليه , وإنباء عن وجوب ما أمر به , ونهى عنه.
ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قُوى البشر , ولا تبلغه قدَرهم , فانقطع الخلق دونه , وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته فى شكله.
ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه كلامًا منظومًا ,
ومرة : سحر إذ رأوه معجوزًا عنه , غير مقدور عليه .
وقد كانوا يجدون له وقعًا في القلوب وقرعًا فى النفوس يُريبهم ويحيرهم؛ فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف. ولذلك قال قائلهم: إن له حلاوة وإن عليه طلاوة.
وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون: {أساطير الأولين اكْتَتَبها فَهى تُمْلَى عليه بُكرةً وأصِيلاَ} مع علمهم أن صاحبه أميُّ وليس بحضرته من يملي أو يكتب .
في نحو ذلك من الأمور التي جماعها الجهل والعجز .
وقد حكى الله جل وعز عن بعض مردتهم وشياطينهم - ويقال هو الوليد بن المغيرة المخزومي - أنه لما طال فكره في أمر القرآن , وكثر ضجره منه , وضرب له الأخماس من رأيه فى الأسداس , لم يقدر على أكثر من قوله: {إن هذا إلَّا قولُ البَشَرْ} عنادًا للحق وجهلًا به , وذهابًا عن الحجة وانقطاعًا دونها , وقد وصف ذلك من حاله وشدة حيرته فقال سبحانه: {إنه فكَّرَ وقدَّر , فقُتل كيف قدَّرَ , ثم قُتِل كيف قَدَّر. ثم نَظَر. ثم عَبَس وبسَر. ثم أدبر واسْتكبَر. فقال إن هذا إلا سحر يُؤْثَر. إنْ هذا إلَّا قولُ البشَر}.
وكيفما كانت الحال ودارت القصة , فقد حصل باعترافهم قولاً , وانقطاعهم عن معارضته فعلًا أنه معجز , وفي ذلك قيام الحجة وثبوت المعجزة , والحمدلله.
ثم اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو :
وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به , الذي إذا أُبدل مكانه غيره جاء منه؛
إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام .
وإما ذهاب الرونق الذى يكون معه سقوط البلاغة"اهـ

هذا كلام الخطابي المتوفي (388هـ) رحمه الله، وفيه تقرير نظرية بلاغة نظم القرآن العظيم، التي بسطها وشرحها الجرجاني (ت471هـ) رحمه الله، في كتابه (دلائل الإعجاز).