السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

الخميس، 28 أبريل 2016

استنباطات ٤٩: قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}


قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (الإنسان:3).
في هذه الآية الكريمة يعلمنا الله جل وعلا أنه هدى الإنسان إلى طريق الشكر وإلى طريق الكفر، فأرسل رسله صلوات الله عليهم وسلامه، يعلمون الناس السبيل، ويدعونهم إلى الصراط المستقيم، ويحذرونهم طريق الكفر والضلال طريق أصحاب الجحيم .
وفي الآية وقفات : 
الأولى : الهداية المقصودة هنا هي هداية الدلالة والإرشاد ؛ وذلك ما جعله الله تعالى في بعثة الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، يعلمون الخلق ويرشدونهم إلى طريق الحق: الصراط المستقيم. ومن هذه الدلالة ما أنعم به سبحانه على الإنسان من نعمة العقل، والفطرة التي جبله عليها ليقبل الخير والحسن. وليس المراد بالهداية في الآية هنا هداية التوفيق لقبول الحق، أو هداية التوفيق للعمل، أو الثبات على الحق، أو هداية السبيل لدخول الجنة.
الثانية : نسب الهداية إليه سبحانه، فلا يملك أحد أن يهدي الإنسان إلا هو، فالعقل والفطرة لا يملكان من شأن هذه الهداية إلا أن يشاء الله أن يهدي إلى صراط مستقيم.
الثالثة: الشكر في اللغة، أصله من الظهور، فالناقة يغزر لبنها من الرعي، ناقة شكور، والخيل تعلفها قليلا فيظهر سمنه خيل شكور، وكأن المؤمن يعمل الصالحات فيظهر عليه أثر ما في قلبه من الإيمان، فالإيمان قول باللسان واعتقاد في الجنان، وعمل بالأركان. وما في القلب يصدقه العمل ولابد، كما قال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
الرابعة: أنها أجملت كل طريق الإيمان والصراط المستقيم في أن سالكه يوصفه بأنه ﴿شاكرا﴾، فعنوان السبيل هو الشكر؛ فكل أعمال الإيمان هي من الشكر لله رب العالمين.
الخامسة : أنها أجملت كل طريق الضلال وعدم الاهتداء بهدي الله جل وعلا في أنه طريق يوصف صاحبه بأنه ﴿كفورا﴾.
السادسة : أنه وسم طريق التنكب عن الصراط بالكفر، والكفر أصل معناه في اللغة الستر والتغطية، وسمي الكافر كافراً إشارة إلى أنه بضلاله وعصيانه غطى وستر ما في قلبه من الفطرة المجبولة على قبول الخير واتباعه، وطلب الحسن وأخذه.
السابعة : أنه لما ذكر سبيل الهداية إلى الصراط المستقيم عبر بصيغة الفاعل، ﴿شاكرا﴾، ولما ذكر سبيل الضلال والغواية والتنكب عن الصراط عبر بما يدل على اسم الفاعل لكن بصيغة مبالغة ﴿كفوراً﴾؛ وهذا إشارة إلى أن سلوك الصراط المستقيم لا يحتاج من صاحبه تكلف وجهد، لأن النفس مفطورة على قبول الخير فإذا سلك صاحبها طريق الشكر سهل عليه ذلك، فهو (فاعل) وذلك بعد مشيئة الله له ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً{29} وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً{30} يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (الإنسان:29 -31)، وقال تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 28 – 29). بينما سلوك سبيل الكفر والضلال والغواية يحتاج من صاحبه تكلف وتكرار تدل عليه صيغة (فعول) لأن ما يريد أن يسلكه هو مخالف لفطرته التي جبله الله عليها، فهو معها في صراع، يحملها على ما لا يتفق معها، وهذا من أسرار حالات الضيق والاكتئاب التي يعيشها كل من خرج عن الصراط المستقيم، أنه غير متوافق نفسيا مع فطرته، فيحتاج أن يحمل نفسه على الكفر مرة بعد مرة.
الثامنة : فإن قيل : جاء وصف الشكر بصيغة فعول، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ:13).
فالجواب : اكتسبت الصيغة المعنى السابق بدلالة السياق والمقابلة، فإنه لما ذكر في سياق واحد هاتين الصيغتين (فاعل) و (فعول) وقابل بينهما في الآية: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾، اقتضى ذلك أن للعدول عن صيغة (كافر) إلى صيغة (كفور) معنى يستفاد من المقابلة والسياق. وتكون الصيغة لمعنى التكثير من الوصف (المبالغة) في الآيات الأخرى لعدم ذلك.
التاسعة : أن الشكر عنوان الإيمان، والكفر عنوان التنكب عن الصراط المستقيم، فإن كان مخرجا من الملة فهو كفر أكبر، وإن كان غير مخرج من الملة فهو كفر أصغر. فإن فعل الطاعات زاد إيمانه فهو من الشاكرين وإن نقصت طاعته نقص إيمانه، فضعف في وصف الشاكرين.
العاشرة : كل أعمال الإيمان فيها معنى الشكر؛ فالصلاة تقرأ فيها الفاتحة وهي سورة الحمد ، وإذا رفع من الركوع، قال: (سمع الله لمن حمده)، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل حتى تفطرت قدماه، فقيل له، فقال: "أفلا أكون عبداً شكورا"، وفي الصوم يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله، يتذكر حال غيره ممن يجوع و لا يجد طعاماً، و يظمأ فلا يجد ماءاً، فيؤدي شكر الله على هذه النعمة. وفي الزكاة، يشكر الله على ما رزقه من المال، فيخرج صدقة يساعد بها الضعفاء وأهل الحاجة، وفي الحج يفد إلى بيت الله والمشاعر المقدسة طالبا رضوان الله يرجو رحمته سبحانه ويخاف عقابه، و﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28). وفي الدعاء : "أللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
الحادية عشرة: الشكر له أركان : 
الأول: الاعتراف بالنعمة .
الثاني : الاعتراف بالمنعم.
الثالث : معرفة حق من كان سبباً فيها.
الرابع : استعمالها في طاعته ورضاه.
الخامس : التحدث بالنعمة.

ولما كان وجود الإنسان أصل النعم المتوالية عليه، وكان السبب في ذلك هما الوالدان، عظم الشرع حقهما، وقرن برهما بتوحيده سبحانه، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء:23).