السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

الخميس، 17 سبتمبر 2015

كشكول ١٠٧٦: دفع استشكال


دفع استشكال
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيِّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ، حَدَّثَهُ: أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لَقِيَهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: لاَ، فَقَالَ لَهُ: فَهَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ القَوْمُ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ، لاَ يُخْلَصُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا حَتَّى تُبْلَغَ نَفْسِي؛
إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلاَلًا، وَلاَ أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لاَ تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا"( أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ دِرْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَصَاهُ، وَسَيْفِهِ وَقَدَحِهِ، وَخَاتَمِهِ، وَمَا اسْتَعْمَلَ الخُلَفَاءُ بَعْدَهُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ قِسْمَتُهُ، وَمِنْ شَعَرِهِ، وَنَعْلِهِ، وَآنِيَتِهِ مِمَّا يَتَبَرَّكُ أَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، تحت رقم (3110)، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم (2449).).
يريد المسور بن مخرمة من إيراد قصة خطبة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لبنت أبي جهل، أنه كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ رَفَاهِيَةَ خَاطِرِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَأَنَا أَيْضًا أُحِبُّ رَفَاهِيَةَ خَاطِرِكَ لِكَوْنِكَ بن ابْنِهَا فَأَعْطِنِي السَّيْفَ حَتَّى أَحْفَظَهُ لَكَ قال ابن حجر في فتح الباري (6/ 214): "وَهَذَا هو الْمُعْتَمَدُ"اهـ.
واستشكل بعض الناس هذا الحديث؛ كيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الكلام وهو نفسه متزوج أكثر من امرأة، وأبيح نكاح ما طاب لنا من النساء، فكيف ما رضي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يتزوج على فاطمة رضي الله عنها؟
ولدفع هذا الإشكال ؛ أقول: لم يتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم، بهذا الكلام من باب بيان حكم التعدّد، إنما تكلم في مقام أنه ربّ الأسرة وكبير العائلة؛ فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولد عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وفاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم كبير قريش، وذكر أن هذا النكاح يترتب عليه فساد كبير، فإن فاطمة بضعة منه يريبه ما رابها، فكأن في القضية ما يوقع الريبة، وليست القضية قضية أنه ما رضي التعدّد على ابنته، القضية أن هناك مشكلة أشار إليها بقوله: "وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا".
ولذلك قال الشيخ أحمد شاكر لمّا تكلم على هذا الحديث في كتابه (كلمة حق) مامعناه: أن هذا من الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يصدر من مقام الرسالة ولا بقصد التشريع في قضية التعدّد ، إنما صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم في مقام أنه كبير العائلة وكبير قومه وأنه يعلم من أمورهم وأحوالهم أشياء فيها ريبة تقتضي أن وقوع زواج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بنت أبي جهل فيه نوع من الريبة، فإنه يقال: «بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ» و سينتج منه نوع من العداوة فمنعه؛
لا منعا للتعدّد وإنما منعا لمَ يُسبّب الريبة والعداوة بين الأسرة الواحدة.
فهذا الحديث زال الإشكال عنه بتطبيق قاعدة تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم، , أنها تارة تكون من باب البلاغ والرسالة، وتارة تكون من باب أنه صلى الله عليه وسلم إمام أو قائد أو مفتي؛
فالعلم بمخرج كلام الرسول ﷺ هل خرج منه مخرج التشريع العام أو هل خرج منه مخرج التشريع الخاص (مخرج السياسة العامة لكبير الأسرة والقوم فيما يحصل بينهم مما يؤدي إلى وقوع الريبة أو العداوة).

هذه القاعدة قعّدها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي المالكي، في كتابه (الفروق)، وأفردها في كتابه: "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام و تصرفات القاضي و الإمام"، و المقصود أن تُنزّل الأحاديث في محلّها للعمل بها. وبالله التوفيق