السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

الاثنين، 27 أكتوبر 2014

شبهة والرد عليها ٢٢: تصح إمامة الحكام حتى إن لم يكونوا من قريش


شبهة:
«لا تصح إمامة هؤلاء الحكام؛ لأن شرط الإمام أن يكون قرشياً؛ فإن الأئمة من قريش.
عن ابْن عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ». (أخرجه البخاري في (كتاب الأحكام)، باب الأمراء من قريش، حديث رقم: (٧١٤٠)، ومسلم في (كتاب الإمارة)، باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش، حديث رقم: (١٨٢٠)).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ، وَالنَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، إِذَا فَقِهُوا تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ». (أخرجه البخاري في (كتاب المناقب)، باب قول الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوباً وقبائل}، حديث رقم: (٣٤٩٦)، ومسلم في (كتاب الإمارة)، باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش، حديث رقم: (١٨١٨).).
قال النووي (ت٦٧٦هـ) -رحمه الله-: «قَوْله: «النَّاس تَبَع لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْن مُسْلِمهمْ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرهمْ لِكَافِرِهِمْ»، وَفِي رِوَايَة: «النَّاس تَبَع لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْر وَالشَّرّ»، وَفِي رِوَايَة: «لَا يَزَال هَذَا الْأَمْر فِي قُرَيْش مَا بَقِيَ مِنْ النَّاس اِثْنَانِ»، وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ: «مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اِثْنَانِ». هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَشْبَاههَا دَلِيل ظَاهِر أَنَّ الْخِلَافَة مُخْتَصَّة بِقُرَيْشٍ، لَا يَجُوز عَقْدهَا لِأَحَدٍ مِنْ غَيْرهمْ، وَعَلَى هَذَا اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع فِي زَمَن الصَّحَابَة، فَكَذَلِكَ بَعْدهمْ، وَمَنْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ أَهْل الْبِدَع أَوْ عَرَّضَ بِخِلَافٍ مِنْ غَيْرهمْ فَهُوَ مَحْجُوج بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة.
قَالَ الْقَاضِي: «اِشْتِرَاط كَوْنه قُرَشِيًّا هُوَ مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة»، قَالَ: «وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْر وَعُمَر عَلَى الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة، فَلَمْ يُنْكِرهُ أَحَد»، قَالَ الْقَاضِي: «وَقَدْ عَدَّهَا الْعُلَمَاء فِي مَسَائِل الْإِجْمَاع، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْ السَّلَف فِيهَا قَوْل وَلَا فِعْل يُخَالِف مَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدهمْ فِي جَمِيع الْأَعْصَار»، قَالَ: «وَلَا اِعْتِدَاد بِقَوْلِ النَّظَّام وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْخَوَارِج وَأَهْل الْبِدَع أَنَّهُ يَجُوز كَوْنه مِنْ غَيْر قُرَيْش، وَلَا بِسَخَافَةِ ضِرَار بْن عَمْرو فِي قَوْله: «إِنَّ غَيْر الْقُرَيْشِيّ مِنْ النَّبَط وَغَيْرهمْ يُقَدَّم عَلَى الْقُرَشِيّ لِهَوَانِ خَلْعه إِنْ عَرَضَ مِنْهُ أَمْر»، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ بَاطِل الْقَوْل وَزُخْرُفه مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَة إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ. وَاَللَّه أَعْلَم» اهـ. ((شرح النووي على مسلم) تحت شرح الحديث رقم: (١٨١٨).)».


وللرد أقول:
هنا أمور تزيل -إن شاء الله- الشبهة وهي مايلي:
- أنه في حال الاختيار، إذا صلح لولاية الأمر رجلان: أحدهما من قريش، والآخر من غير قريش، فإن القرشي يقدم على غيره، للأحاديث السابقة. وهذا محل الإجماع.
- أنه في حال ترك القرشي الاستقامة على الدين لا أفضلية له، لمجرد أنه قرشي، وهذا يدل عليه ما جاء عَنْ مُعَاوِيَة أنه قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ».». (أخرجه البخاري في (كتاب الأحكام)، باب الأمراء من قريش، حديث رقم: (٧١٣٩).).
- أنه في حال تغلب رجل مسلم على المسلمين، وإقامته لشرع الله؛ فإنه تجب له البيعة والسمع والطاعة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ».». (أخرجه البخاري في (كتاب الأحكام)، باب السمع والطاعة للإمام، مالم تكن معصية، حديث رقم: (٧١٤٢).). وهذا محل اتفاق، وإجماع.
وكان هذا المعنى قد فقهه الأئمة من آل سعود، فقد سئل الإمام عبد العزيز ابن محمد بن سعود: «هل تصح الإمامة في غير قريش؟»
فأجاب: «الذي عليه أكثر العلماء، أنها لا تصح في غير قريش إذا أمكن ذلك، وأما إذا لم يمكن ذلك واتفقت الأمة على مبايعة الإمام، أو اتفق أهل الحل والعقد عليه، صحت إمامته ووجبت مبايعته، ولم يصح الخروج عليه، وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، كقوله: «عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي…».». (الدرر السنية، (ط/٥/١٤١٦هـ) (٩/٥-٧).).
وقـال محمد بن عبد الوهاب (ت١٢٠٦هـ) -رحمه الله-: «الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل، قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم» اهـ. (الدرر السنية، (ط /٥/١٤١٦هـ)، (٩/٥).).
وقال أيضاً -رحمه الله-: «من تمام الاجتماع: السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدًا حبشيًا؛ فبين النبي هذا بيانًا شائعًا ذائعًا، بوجوه من أنواع البيان شرعًا وقدرًا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به». (الدرر السنية، (ط /٥/١٤١٦هـ)، (٩/٥-٧).).
وقال -رحمه الله- في رسالته لأهل القصيم: «وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برّهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله. ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه» اهـ. (مجموعة مؤلفات الشيخ، (٥/١١).).
وقال الشوكاني (ت١٢٥٠هـ) -رحمه الله-: «لما اتسعت أقطار الإسلام، ووقع الاختلاف بين أهله، واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان؛ اتفق أهله على أنه إذا مات، بادروا بنصب من يقوم مقامه. وهذا معلوم، لا يخالف فيه أحد، بل هو إجماع المسلمين أجمعين، منذ قبض رسول الله إلى هذه الغاية» اهـ. ((السيل الجرار، (٤/٥٠٢)، وانظر (السيل الجرار، (٤/٥١٢).).