السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

الأحد، 11 يونيو، 2017

خلفيات علمية ٣٠: التفسير بالمأثور هو خط مقابل للتفسير بالرأي


التفسير بالمأثور هو خط مقابل للتفسير بالرأي .
هل سمي بالمأثور لانه توقيفي او لأن المفسر يتابع في معنى الآية ما جاء عن السلف فلا يحدث معنى خارجا عن اقوالهم؟
بعض الناس فهم ان المراد بالمأثور هو التوقيف وهذا غير صحيح ويلزم منه ان القائل بالتفسير المأثور لا يجوز الاجتهاد في تفسير الآية.
ويلزم منه ان لا تفسير مأثور الا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به بعضهم.
والصحيح ان التفسير بالمأثور قائم على اصل تفسير الدين وهو اعتماد ان لا يفسر القرآن بمعاني لم تأت عن السلف ولذلك كان تفسير القرآن بالقرآن مأثورا لان المفسر لا يأت بمعنى من عند نفسه انما بمعنى جاء في آية يفسر به آية اخرى. او على الصور الاخرى في تفسير القرآن بالقرآن.
وتفسير القرآن بقول الصحابي من التفسير بالمأثور لأن اصل تفسير الدين بما جاء عن الرسول وأصحابه الذين اختصهم الله بمشاهدة نزول القرآن والعلم بما احتف به وبمعرفة المعنى المراد ... فإذا اختلف لا نخرج عن خلافهم ...
فما جاء عن الله ورسوله على الرأس والعين.
وما جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين.
وما حاء عن التابعين ليس كذلك الا ان يجمعوا .
وهذا أصل جميع أئمة الدين اهل الاجتهاد.
ولذلك في تفسير القرآن بالرأي نشترط في قبوله شروطا خمسة:
الشرط الاول : ان لا يخالف التفسير بالمأثور مخالفة تضاد؛ فلا يحدث المفسر للآية معنى يخرج عن اقوال السلف.
الشرط الثاني : ان يناسب السياق سباقا ولحاقا.
الشرط الثالث : ان يتفق مع دلالة اللفظ لغة.
الشرط الرابع : ان لا ينصر به اقوال اهل البدع.
الشرط الخامس : ان لا يخللف ما جاء في الشريعة.
فإذا تحققت هذه الشروط فهو من الرأي المحمود المقبول.
فلاحظ ان التفسير بالرأي ينبغي ان لا يخالف التفسير بالمأثور مخالفة تضاد.
فلا نمنع الاجتهاد في تفسير القرآن ضمن تحقق هذه الشروط والله الموفق.
مداخلات :
* قال : حرر لي المراد بالتفسير بالمأثور، لأن صاحب كتاب التفسير والمفسرون الدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله، هو أول من أحدث هذه القسمة، وجاء بهذا الاصطلاح، لما ذكر أن التفسير بالمأثور هو تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بقول الصحابي، وتفسير القرآن بما أجمع عليه التابعون، لما مثل لهذا التفسير بالمأثور، ذكر كتاب ابن جرير الطبري، وكتاب ابن كثير وكتاب ابن عطية، فكسف يستقيم ذلك؟!
قلت: التفسير بالمأثور، هو التفسير الذي لا يأت فيه المفسر بمعنى للآية برأيه مجرداً، إنما يتبع فيه ما جاء في القرآن أو السنة أو عن الصحابة رضي الله عنهم، أو ما أجمع عليه التابعون.
وتمثيل الشيخ الذهبي رحمه الله صحيح كما ذكرت، ليس مطابقاً لتعريفه للتفسير بالمأثور، إنما كان يصلح لهذا النوع كتب التفسير التي تذكر آثار الصحابة والأحاديث مجردة مثل كتاب التفسير للصنعاني، ومثل كتاب ابن أبي حاتم، ونحوها.
والذهبي نفسه اعتذر عن صنيعه بأنه إنما أورد هؤلاء في المأثور لغلبة التفسير بالمأثور في كتبهم لا لأنها مجردة للتفسير بالمأثور، ذكر هذا في كتابه ، حيث قال في كتابه التفسير والمفسرون (1/ 181 - 182): "ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى أن كتاب الدُرّ المنثور، هو الكتاب الوحيد الذى اقتصر على التفسير المأثور من بين هذه الكتب التي تكلمنا عنها، فلم يخلط بالروايات التي نقلها شيئاً من عمل الرأي كما فعل غيره. وإنما اعتبرنا كل هذه الكتب من كتب التفسير بالمأثور، نظراً لما امتازت به عمَّا عداها من الإكثار في النقل، والاعتماد على الرواية، وما كان وراء ذلك من محاولات تفسيرية أو استطردات إلى نواح تتصل بالتفسير، فذلك أمر يكاد يكون ثانوياً بالنسبة لما جاء فيها من روايات عن السَلَف في التفسير"اهـ. والله الموفق. 
* قال : تفسير التابعين فيه رأي مذموم أو على الأقل مردود، مثل تفسير مجاهد للمسخ بالمسخ المعنوي. فكيف يقال عنه تفسير مأثور؟!.
قلت: تفسير التابعين ليس من التفسير بالمأثور، إلا إذا أجمعوا عليه. 
* قال: تفسير القرآن بالقرآن، هو تفسير اجتهادي، لأن العالم باجتهاده يرى أن هذه الآية تفسر هذه الآية.
قلت: هذا فيه نظر؛ لأن تفسير القرآن بالقرآن لم يأت فيه المفسر بمعنى من عند نفسه، برأيه، إنما جاء بمعنى آية فسر به آية أخرى. وعليه فهو تفسير مأثور، لأنه لم يأت فيه بمعنى من عند نفسه أصلاً.
أما الجهد الذي بذله في استحضار معنى هذه الآية في تفسير هذه الآية، فليس هو محل الاجتهاد في التفسير.
انظر: أنت تقرر أن التفسير النبوي هو فقط التفسير بالمأثور، يلزم على كلامك في تفسير القرآن بالقرآن، أن لا يكون مأثوراً، لأن عمل المفسر في استحضار الحديث والنظر في ثبوته، هو تماماً كعمل المفسر في استحضار معنى الآية لتفسير آية أخرى.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى ليس كل تفسير القرآن بالقرآن هو كما ذكرت؛
فمن أنواع تفسير القرآن بالقرآن تفسير الآية بقراءة، بقراءة أخرى.
ومن أنواع تفسير القرآن بالقرآن، أن يفسر الله الآية بالمقابلة، فتفهم المعنى المراد بذلك. كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ (النجم:48)،[ وَيَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى أَقْنى ضِدُّ مَعْنَى أَغْنى رَعْيًا لِنَظَائِرِهِ الَّتِي زَاوَجَتْ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكى* وأَماتَ وَأَحْيا* والذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (النَّجْم:43- 45)] من التحرير والتنوير.
ومن أنواع تفسير القرآن بالقرآن التفسير المباشر ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ{1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ{2} النَّجْمُ الثَّاقِبُ) .
فمثل هذه الأنواع لا يدخل فيها ما ذكرت، فيبقى تفسير القرآن بالقرآن فيها مأثوراً، لا يأت فيه المفسر بمعنى من عند نفسه. والله الموفق.
*قال: الوارد عن الصحابة فيه اجتهاد، بدليل أنهم يختلفون في التفسير، فلا يقال: التفسير بالمأثور مقابل للتفسير بالرأي. مع التسليم بفضل الصحابة ومكانتهم والاهتداء بهم.
قلت: هذا فيه نظر؛ لأن تفسير الصحابة وإن داخله اجتهاد إلا أنه مبني على معنى فهموه من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بما شاهدوه وخالطوه من أحوال التنزيل، فاجتهادهم مبني على تفسير الآية الذي فهموه من الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يقال عن اجتهادهم: إنه رأي محمود مقابل رأي مذموم.
هذه واحدة.
ثم اختلاف الصحابة في التفسير ليس من باب التضاد والتعارض، بل هو من باب التنوع، ومن أندر ما يأتي عنهم التعارض والتضاد في التفسير. وهذه الثانية.
ولا تنس أن الرجوع إلى تفسير الصحابة وعدم الخروج عن أقوالهم، يعني عدم إحداث قول خارج عن أقوالهم، هو أصل تفسير الدين عند جميع الأئمة، فلا يقال عن اجتهادهم أنه رأي محمود مقابل رأي مذموم. وهذه الثالثة.
قال ابنُ تيمية رحمه الله (مجموع الفتاوى 13/243): "من فسَّر القرآن أو الحديث وتأوَّله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين؛ فهو مفترٍ على الله، ملحدٌ فِي آيات الله، مُحرِّفٌ للكلم عن مواضعه، وهذا فتحٌ لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام"اهـ.
فليس لأحد أن يتأوَّل الآية أو الحديث على معنًى يُخالف مُخالفة تضادٍّ الْمَعنَى الذي فسَّره به صحابةُ الرسول .
وعليه فالقسمة أن يقال: تفسير بالمأثور مقابل التفسير بالرأي.
والتفسير بالرأي لا يدخل فيه تفسير الصحابة، إنما تفسير غيرهم، وهو على نوعين:
النوع الأول: تفسير بالرأي توفرت فيه الشروط المشار إليها في منشور سابق. فهذا تفسير بالرأي المحمود.
النوع الثاني: تفسير بالرأي لم تتوفر فيه الشروط فهو تفسير بالرأي المذموم.
والله الموفق.
* قال: هذا التسمية (التفسير بالمأثور) حادثة، لم تأت في كلام السابقين، وإنما جاء في كلام الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون.
قلت: هذا الكلام يقرره بعض الأخوة، وفيه عندي نظر من جهات متعددة؛
الجهة الأولى : مصطلح (التفسير بالمأثور)، هو تسمية حادثة ، لمعنى كان موجوداً ومتداولا بين أهل العلم؛ فمن نظر في كلامهم يجدهم يحذرون من التفسير بالرأي، ويذمون كلام أهل البدع بأنه تفسير للقرآن بآرائهم، لم يراعوا فيه ما جاء عن السلف ، فهذا يشير إلى تفسير آخر مقابل للتفسير بالرأي الذي يذمونه؛ وهذا المقابلة تدل على أنهم يرون أن تفسير السلف يقابل الرأي، بمعنى أنه تفسير صحيح معتمد، لا مدخل للرأي والاجتهاد فيه.
وهذا يدل أنهم يعتمدون تفسيراً مقابلاً للرأي، وهو ما سمّاه الشيخ محمد حسين الذهبي رحمه الله بـ (التفسير بالمأثور)، فهو لم يأت بغير الاسم، وإلا فإن المعنى المراد كان موجوداً يدل عليه كلامهم.
الجهة الثانية : المراد بالتفسير بالمأثور، أي التفسير الذي لا يدخل فيه المفسر برأي نفسه، فلا يأت بمعنى للآية من عند نفسه، إنما يفسر الآية بمعنى آية أخرى، فهو من هذه الحيثية لا رأي فيه. و لا دخل للمفسر في معنى الآية.
أمّا قضية أن تفسير الصحابي يدخله اجتهاد منه، فهذا يتعقب بما يلي:
- اجتهاد الصحابة في تفسير القرآن مبنى على ما فهموه عن الرسول صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، فهو اجتهاد مبني على معنى صحيح فهمه من الرسول صلى الله عليه وسلم.
- أن نظرهم في تفسير الآية مبني على معرفتهم ومشاهدتهم لقرائن وأحوال نزول القرآن وملاباسات حصلت عند نزول الآيات لا يشاركهم فيها غيرهم، وهذا المعنى يجعل اجتهادهم ليس كاجتهاد غيرهم.
- ولأن النظر في معنى الآية إذا كان مبنيا على اللغة فهم أعلم بلغة القرآن وبالمراد منه من كل أحد غيرهم، وهل المعنى العرفي زمن النزول إلا كلامهم ولغتهم؟!
فأصبح بما تقدم تفسيرهم للقرآن العظيم، تفسير بعيداً عن الرأي والاجتهاد المجرد، فلا يجعل كالتفسير بالرأي!
فإذا تحرر معك ما قدّمته تبين لك أن تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة وتفسير القرآن بقول الصحابي وبما أجمع عليه التابعون، هو التفسير المقابل للتفسير بالرأي.
وكونه تفسيرا مقابلاً للتفسير بالرأي لا يمنع أن تسميه (التفير بالمأثور)، أو (التفسير بالرواية)، أو (التفسير بالمنقول). فليست المشكلة في التسمية إنما في المعنى المراد، وقد اتضح بما تقدم صحته ووجوده وتداوله بين السلف من قديم.
والله المستعان وعليه التكلان و لا حول و لا قوة إلا بالله.
* قال: هل سمي مأثورا لانه توقيفي او سمي مأثورا لأن المفسر يتابع في معنى الآية ما جاء عن السلف فلا يحدث معنى خارجا عن اقوالهم؟
قلت : التفسير بالمأثور قائم على اصل تفسير الدين وهو اعتماد ان لا يفسر القرآن بمعاني لم تأت عن السلف ولذلك كان تفسير القرآن بالقرآن مأثورا لان المفسر لا يأت بمعنى من عند نفسه انما بمعنى جاء في آية يفسر به آية اخرى. او على الصور الاخرى في تفسير القرآن بالقرآن.
وتفسير القرآن بقول الصحابي مأثورا لأن اصل تفسير الدين بما جاء عن الرسول وأصحابه الذين اختصهم الله بمشاهدة نزول القرآن والعلم بما احتف به وبمعرفة المعنى المراد .
فإذا اختلفوا لا نخرج عن خلافهم .
فما جاء عن الله ورسوله على الرأس والعين.
وما جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين.
وما جاء عن التابعين ليس كذلك الا ان يجمعوا .
وهذا أصل جميع أئمة الدين اهل الاجتهاد.
ولذلك في تفسير القرآن بالرأي نشترط في قبوله الشروط الخمسة التي سبقت الإشارة إليها.فإذا تحققت هذه الشروط فهو من الرأي المحمود المقبول.
فلاحظ ان التفسير بالرأي ينبغي ان لا يخالف التفسير بالمأثور مخالفة تضاد.
فلا نمنع الاجتهاد في تفسير القرآن ضمن تحقق هذه الشروط. والله الموفق.