السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

الجمعة، 1 يوليو، 2016

سؤال وجواب ٣٢٨: إذا شرع الإنسان في أي عمل ولم يستحضر النيات



سؤال:
إذا شرع الإنسان في أي عمل ولم يستحضر النيات قبل الشروع فيه، ثم؛
- أثناء العمل تذكر واستحضر النيات والأجور واحتسبها.
- أو بعد انتهاء العمل تذكر الأجور وقال مثلاً أحتسب بما فعلته كذا وكذا، ويستحضر نيات ويحتسبها لكن بعد أن انتهى من العمل.
ففي الحالتين هل ينال ذلك أم الحالة الأخيرة لا تصلح؟
وهل يكتب للإنسان أجور الأعمال الصالحة والطاعات دون استحضار نية نيل أجر كذا وأجر كذا؟ مثلاً لو تصدق دون استحضار النيات في نيل مختلف أجور الصدقة، هل يكتب له أجرها دون استحضارها، وتكفي نيته أنه يتصدق؟ أو نيته أنه يزور رحمه أو يعود مريضًا -دون استحضار لنيل عين الأجور-؟

الجواب : 
لم يرد ما يدل على أن المسلم لا يحصل له أجر العمل حتى ينوي طلب الأجر، أو يعلم أجره وثوابه، وهو إذا عمل العمل الصالح يرجو ثوابه عند الله حصل له أجره وثوابه وفضله وإن لم يعلمه. يكفي أن يكون العمل خالصاً لله، وعلى وفق شرع الله، ليس ببدعة و لا حدث، ليكون عملاً صالحاً يؤجر عليه بإذن الله، قال تعالى : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110).
ويؤيد هذا ما جاء عند مسلم في صحيحه تحت رقم (1006) عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه: "أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: " أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ".
ومحل الشاهد في الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم: "وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ".
ووجه الدلالة : أنه لم يشترط في حصول الأجر، أكثر من أن يقصد المسلم وضع شهوته في محلها، فإن الصحابة قالوا: " أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ"؛ وهذا يشمل كل شهوة مباحة، يقضي الإنسان فيها نهمته، من طعام أو شراب أو غير ذلك، مادامت مما أباحه الله.
فيكفي أن تفعل الفعل المباح تبتغي وجه الله، ليكون عملاً صالحا، فإن الحديث كما قال ابن رجب (جامع العلوم والحكم 2/ 65) : [يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّهُ يُؤَجَرُ فِي إِتْيَانِ أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَإِنَّ الْمُبَاضِعَ لِأَهْلِهِ كَالزَّارِعِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَحْرُثُ وَيَبْذُرُ فِيهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَالَ إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ» . وَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، إِنَّمَا الْمَعْرُوفُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ"، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ لِلَّهِ، فَتُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ عَلَيْهِ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 114)"اهـ.
وابتغاء وجه الله، يكفي فيه أن يتطلب المسلم الحلال الطيب، ويتجنب الحرام الخبيث، ليحصل له الأجر، ويقال عنه: أنه ابتغى وجه الله؛ لأن المسلم إنما يتقصد الحلال الطاهر الطيب، الذي أباحه الله له، فإن زاد على ذلك استحضار نية أخرى معه حصل له أجر ما نواه زيادة على أصل الأجر الذي يحصل له، بكف نفسه عن الحرام، والتزامه بما هدى الله إليه.
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"، يقرر هذا المعنى.
قال ابن رجب رحمه الله، (جامع العلوم والحكم 1/ 65): "ثَوَاب الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ الصَّالِحَةِ، وَأَنَّ عِقَابَهُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ الْفَاسِدَةِ، وَقَدْ تَكُونُ نِيَّتُهُ مُبَاحَةً، فَيَكُونُ الْعَمَلُ مُبَاحًا، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، فَالْعَمَلُ فِي نَفْسِهِ صَلَاحُهُ وَفَسَادُهُ وَإِبَاحَتُهُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ الْحَامِلَةِ عَلَيْهِ، الْمُقْتَضِيَةِ لِوُجُودِهِ، وَثَوَابُ الْعَامِلِ وَعِقَابُهُ وَسَلَامَتُهُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ الَّتِي بِهَا صَارَ الْعَمَلُ صَالِحًا، أَوْ فَاسِدًا، أَوْ مُبَاحًا"اهـ.
أقول: المسلم حينما يفعل المباح له شرعاً ويطلبه لأن الله أباحه، ويحذر الوقوع فيما لم يبحه الله، فهذه نية صالحة يؤجر عليها إن شاء الله تعالى، و لا يضيع الله عمل عامل، قال تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران:195)؛ وبهذا تحصل له أصل النية في أفعال التروك التي يحصل بها الأجر، فهو يترك الزنا ويطلب النكاح المشـروع، ويترك الخمر ويطلب الشراب المباح، ويترك الربا ويطلب الكسب الحلال، ويترك كل حرام خبيث ، ويطلب كل حلال طيب، لأن هذا أباحه الله، وهذا حرمه الله، فهذه النية يحصل بها المسلم بإذن الله أصل الأجر، ويزيد أجره بحسب ما يقترن ذلك عنده من نية حسنة تضاف إليه. وفضل الله عظيم.
وإن استحضر المؤمن النية الصالحة في كل عمل ، فإن هذا أعظم في أجره، وهذا باب من أبواب تكثير الأجور يغفل عنه، 

واذا استحضر النيات اثناء العمل فإن الاجر يحصل له من حين ما نواه. لقوله صلى الله عليه وسلم : (وانما لكل لمريء مانوى). والله الموفق.