السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

الجمعة، 16 يناير 2015

كشكول ٥٤٢: ما غاب نور المسلمين عن جهة من الدنيا، إلا واتقد في أخرى


ما غاب نور المسلمين عن جهة من الدنيا، إلا واتقد في أخرى.
قال محمد بن الحسن بن العربيّ بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي (المتوفى: 1376هـ) -رحمه الله-:
«من عجائب تاريخ الإسلام: قلما تجده ينحط ويتقهقر في جهة، إلا ويتقدم في أخرى،
ففي وسط الخامس سقط في تونس، ونهض في المغرب الأقصى والأندلس،
وفي وسط السادس نهض في جميعها، وسقط بمصر والشام إلى أن قيض الله صلاح الدين الأيوبي الذي أنقذ جل الشام من أيدي الصليبيين مع بيت المقدس، وطهر مصر من بقية الفاطميين الذين كانوا رافضة يسبون السلف، وتعصبوا بمذهب الباطنية الذي كان قد ظهر في تلكم النواحي، ثم ضعف أمرهم حتى لم يبق لهم إلا الخطبة التي كان قطعها من مصر على يد صلاح الدين سنة 567 سبع وستين وخمسمائة، وصيرها باسم المستضيء العباسي.
أما العراق ودار الخلافة وهي بغداد، فبعد تسلط الديلم، وانقسام تلك الممالك إلى دول صغيرة في القرن الرابع... قد نزلت بها الداهية الدهياء التي لم ينزل بالإسلام مثلها منذ نشأ إلى الآن، وهو تسلط التتر على دار الخلافة، وقتل الخليفة المستعصم العباسي سنة 656هـ، واستولى أميرهم هولاكو على بغداد وما وراءها إلى الهند وما أمامها إلى دمشق الشام، وقتل الملايين من المسلمين، وفعل أفاعيل المتوحشين مما لا يقدر أي قلم على وصفه، ولا أي ذهن على تحمل تصوره، إلا أن تغلبه العبرة، وصارت الممالك العظيمة عبرة بعد ما كانت ملأى بالمدارس، والمكاتب، والمراصد، والمستشفيات، والمصانع، وذهب بذلك علم الإسلام وعلماؤه بالقتل، وكتبه وذخائره ورجاله بالحرق والغرق، وتمدنه وحضارته، وكان هولاكو وقومه مشركين، ولذلك يعتبر دخولهم بغداد فاصلاً بين تاريخ الإسلام القديم والجديد، ولكنه لم تأت سنة 700 سبعمائة حتى أسلم ملك التتار قازخان بن طرخان بن هولاكو، وأسلم معه مائة ألف مقاتل من التتر، لكن بعد ما خربوا مدن الإسلام من سمرقند وخراسان وخوارزم إلى دمشق الشام، وأذهبوا زهرة مدينة العرب والأتراك والفرس وغيرهم من الأجناس الإسلامية، فإذا أضفت ذلك إلى سقوط صقلية ومدنها بيد النولارمان، وخراب القيروان بيد البدو وكل منهما في أواسط القرن الخامس كما سبق، ودخول البربر لقرطبة في آخر القرن الرابع، وفيه ابتداء سقوطها الذي انتهى سنة 623 هـ، ثلاث وعشرين وستمائة بدخول إسبانيا لها، ثم بعدها إشبيلية، تعلم مقدار ما رزئ به الإسلام والفقه في هذه القرون الخامس والسادس والسابع،
ثم في آخر القرن الثامن ظهر تيمورلنك من بقايا التتر المسلمين، ففتح جل آسيا كبلاد الهند وخراسان وإيران والعراق والشام وآسيا الصغرى وشرع في فتوح الصين، وملك نصف الدنيا، لكن خرب من معالم الإسلام ما بقي وفعل بدمشق الشام ما فعله سلفه ببغداد.
أما في المغرب، فضعفت الدولة الإسلامية الموحدية، وكثرت الفتن ما بين سقوطها وبين نهوض الحفصية بتونس والزناتية بتلمسان، والمرينية بالمغرب في المائة السابعة. هذه الدول الثلاث كانت تتنازع البقاء بينها وكل منها يريد الاستحواذ على غيره، ثم سقوطها أيضًا بعد ذلك، وذهاب دولة بني الأحمر التي كانت بقيت بسيف البحر في الأندلس، واستيلاء العدو على غرناطة وجميع الأندلس، وخروج الإسلام من جنوب أوربا الغربي، وذلك في القرن العاشر الهجري،
ولم تأت سنة 1011هـ، إحدى عشرة وألف حتى لم يبق في الأندلس إلا من تنصر جبرًا، وأتلفت المدارس والمكاتب والمعاهد وكل آثار التمدن العربي حتى الكتب، فقد حرق الكردنيال كسمينس ثمانين ألف مخطوط عربي في ساحات غرناطة، وأصدر أمره بإبادة الكتب العربية في إسبانيا قاطبة، فبقي إتلافها مسترسلاً مدة نصف قرن. بهذه الحوادث الهائلة ذهبت علوم أهل إفريقيا والأندلس،
لكن كانت دولة الأتراك قد ظهرت في أول القرن السابع بآسيا الصغرى، وصارت تعظم شيئًا فشيئًا إلى أن استولت على معظم آسيا تقريبًا، وممالك من شرق أوروبا وإفريقية إلى أن بلغت إلى حدود المغرب الأقصى، بل كان المغرب تحت سيطرتها أيام السعديين في القرن العاشر. واستجدت للإسلام عظمته التي فقدها منذ قرون، بل فتحوا القسطنطينية العظمى التي عجزت عنها دول الإسلام قبله من يد الروم الشرقية سنة 857هـ، سبع وخمسين وثمانمائة، وفتحوا شرق أوربا كبلاد اليونان، والبلغار، والجبل الأسود، والبوسنة والهرسك، وكثير من بلاد الروس، وبلاد المجر، وهنكاريا، وكان لهم قدم عظيم في الفتح واتساع الممالك أنسى من قبلهم، وبنوا على أنقاض ممالك الإسلام الساقطة من التتر وغيره مملكة عظمى، ففتحوا الحجاز بما فيه مكة والمدينة، وصاروا حماة الحرمين الشريفين، وفتحوا العراق والشام واليمن ومصر، وتنازل لهم الخليفة العباسي الذي كان بها عن لقب الخلافة، فصار ملوكهم خلفاء الإسلام منذ سنة 923هـ، ثلاث وعشرين وتسعمائة.
ومن العجب أنه في السنة قبلها تم استيلاء الإسبان على الأندلس نهائيًا، ثم إن الأتراك فتحوا تونس والجزائر، وأحاطوا بالبحر الأبيض إحاطة الهلال بالنجم، فكان لهم من اتساع الملك ما لم يكن لغيرهم قبلهم ولا بعدهم يبلغ ثلاثة أرباع العالم، وكان لهم الأسطول الضخم، والنظام الأتم، فكان الإسلام بينما هو يسقط في غرب أوربا إذا به يتقدم في شرقها، لكن لم يؤثر ذلك على الفقه بالتقدم، بل بالتأخر؛ لأن العواصم التي كانت مهد الفقه كبغداد وخراسان وسمرقند ودمشق ومصر والبصرة والكوفة والقيروان وتونس ومراكش وفاس وقرطبة وإشبيلية، ثم غرناطة، منها ما استولى عليه العدو أو الخراب، ومنها ما صارت ثانوية غير عواصم بل تابعة لدار الخلافة التي صارت هي القسطنطينية.
وأنت تعلم أن لسان الدولة المسيطرة هو التركية؛ فلم يكن للعربية تقدم، بل تأخر، والفقه الإسلامي تابع للعربية في تقدمها وتأخرها؛ لأن مادته القرآن والسنة وهما عربيان، والعلماء الذين تصدروا للقضاء والإفتاء لسانهم أعجمي، لا قبل لهم بفهم بلاغة القرآن والسنة؛ فلذلك لم يشتغلوا بالاجتهاد والاستنباط، بل بالتقليد والاقتصار على الشرح والتحشية، والاختصار لمؤلفات وجدوها سهلة، وجل ما ألفوه كانت اللكنة والصعوبة مستولية عليه كما يعلم ذلك بمطالعة كتب علماء هذه العصور. وقد جعلوا مركز مشيخة الإسلام في القسطنطينية، وتمذهبوا بمذهب أبي حنيفة مقلدين، وكان القضاة والمفتون يتمذهبون به، فنال انتشارًا عظيمًا أكثر مما كان زمن بني العباس؛ إذ لم يكونوا ملتزمين له كل الالتزام...

وبقي الحال والإسلام على ذلك، إلى أن رجع الترك القهقرى، وتسلط الروس والنمسا وغيرهما على بلاد الترك بالغزو والغارة، وانتزاع الممالك منهم، وفصل العناصر الأجنبية عنهم وغير الأجنبية، ثم أمم أوربا التي نهضت لمناهضتهم وهي أمم الاستعمار والفتح كالإنكليز وغيرهم، فصارت ممالك تركيا تنتهب، ويستقل البعض منها، والباقي دخلته الفتن والثورات، وانفصمت العرى، وحلت المصائب بالبلاد الإسلامية فزاد الفقه والعلوم العربية تأخرًا وهرمًا إلى وقتنا هذا الذي لم يبق فيه من الدين إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، ولله عاقبة الأمور. والله المسؤول أن يجدد لهذه الأمة عصرًا جديدًا، وشرفًا مجيدًا، آمين»اهـ.(الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، (2/ 192- 195)).