السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

السبت، 8 يوليو، 2017

دروسي في المسجد ٤


دروسي في المسجد (4)
من طلبتي الذين درسوا علي في المسجد وفي الجامعة سيادة الشريف عادل بن مرزوق آل مهنا الحارثي، حفظه الله .
يعجبني - سلمه الله - في عنفوانه في محبة السنة والاتباع.
وحرصه على العلم والتعلم فقد لازم دروسي من بداية درس مسجد ناهض الروقي في شارع الحج، إلى الليوم ، ولم يتغيب إلا في فترة تعيينه مدرسا في منطقة خارج مكة لمدة عام تقريباً .
وعادل طراز فريد و لا أزكيه على الله ؛ له كتابات وتقريرات نفيسه ، أذكر أنه قدم لي بحثاً كتبه في صلاة التراويح عند الصحابة، أجاد فيه وأفاد، وقدمته له بقولي:
"فقد قرأت هذا البحث الماتع (التراويح زمن الصحابة ) ، لفضيلة الشيخ الشريف عادل بن مرزوق آل مهنا الحارثي سلمه الله، ورأيته – رعاه الله – قد أحسن تقرير المسألة، وتجليتها، وأوضح وجهاً من أوجه الاستدلال يحتاجه المتفقه مما جرى عليه أهل العلم رحمهم الله.
وتوضيح ذلك :
أن حصول العلم بصدق الخبر أو كذبه لا يتوقف على مجرد النظر في رواته ونقلته؛ وذلك أن من الأخبار ما لا تتوقف معرفة صدقه أو كذبه على نقلته أصلاً، بل قد يكون نقلته من الفساق وبعد التثبت والنظر يتضح صدق الخبر، وقد ينقل الخبر الثقة الصادق ولكن تقوم القرائن الدالة على خطئه وعدم مطابقته للواقع، وأنه قد أخطأ أو وهم أو قامت علة ما تمنع من صحة وصدق خبره.
يقول ابن تيمية رحمه الله: "كم من حديث صحيح الاتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان فرب زيادة لفظة تحيل المعنى ونقص أخرى كذلك ومن مارس هذا الفن لم يكد يخفى عليه مواقع ذلك ولتصحيح الحديث وتضعيفه أبواب تدخل وطرق تسلك ومسالك تطرق"اهـ(مجموع الفتاوى (18/47)).
ومن هذه الطرق التي تسلك، والأبواب التي تدخل والمسالك التي تطرق: (جريان العمل)، و(التلقي بالقبول)، وهذان السبيلان مما يراعيه فقهاء أهل الحديث، بل وعلماء الحديث، فيثبتون صحة أحاديث وآثار بهما، فكما أن الحديث يُعل بتركهم له، وعدم عملهم به، مع أن ظاهر إسناده الصحة، فيجعل تركهم للعمل به دليلاً على بطلانه أو نسخه(شرح العلل لابن رجب/ همام/ (1/324-332))، كذا يتقوى بتداوله بين العلماء بالقبول، وكانوا يرون العلم هو الخبر المشهور الذي يأتيك من هنا وهاهنا، فهو ما عرف و تواطأت عليه الألسن(شرح العلل لابن رجب/همام/ (2/621)) .
[قال مهنا: قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح. فقيل له: تأخذ بحديث : "كل الناس أكفاء إلا حائكاً أو حجاماً" وأنت تضعفه؟! فقال: إنما نضعف إسناده، ولكن العمل عليه.
وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة. قال: ليس بصحيح، والعمل عليه؛ كان عبدالرزاق يقول: معمر عن الزهري مرسلاً]( المسوّدة ص274.) .
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غَيَّاثٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ حَبِيبٍ بنْ أبَيِ ثَابِتٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ لَا يُجِيزُ نِكَاحًا فِي عَامِ سَنَةٍ يَعْنِي مَجَاعَةً قِيلَ لِأَبِي زُرْعَةَ مَا تَرَى فِي هَذَا قَالَ هُوَ مُرْسَلٌ وَلَكِنَّ عمر أهاب أَن أَرَدَ قَوْلَهُ"اهـ(المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 29)).
وفي البحث الذي أقدم له اليوم قضية تقوم على هذه القاعدة، وهي مسألة عدم التوقيت لصلاة الليل بعدد، وصلاة الليل هي صلاة التراويح وصلاة التهجد؛ فإن هذه القضية وردت فيها آثار لم نقف على أسانيد جملة منها، لكنها متلقاة عند العلماء بالقبول، وتداولوها بينهم وبنوا عليها كلامهم، وجاءت آثار تفيد جريان العمل بما دلت عليه تلك الآثار، مما اقتضى ثبوتها بذلك.
وهذا مما غفل عنه بعض الباحثين وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وقد وفق فضيلة الشيخ الشريف عادل بن مرزوق في المسألة، وأعمل هذا المسلك في أدلتها فجلى الحق فيها، فجزاه الله خير الجزاء.
وأسأل الله أن يوفقه ويبارك فيه، ويرزقه القبول في الدنيا والآخرة"اهـ.

يتبع...