السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

قال وقلت ٤٤: تأكيد حفظ العهد والميثاق الذي بين المسلمين وبين الكفار



قال: «يا عمي جد مش هيك يا شيخ اتقي الله أمريكا تقتل المسلمين وأنت تقول ميثاق سامحك الله».

قلت: كانت قريش تؤذي وتقتل في المسلمين من المستضعفين في مكة الذين لم يستطيعوا الهجرة، ومع ذلك دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية معها. وحفظ لهم العهد، وكان يرد من يسلم ويأتي إليه المدينة يرده إليهم في مكة.

والله -عز وجل- أمرنا بنصرة المستضعفين على الكفار، إلا الذين بيننا وبينهم عهد وميثاق، قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. (الأنفال:72).

تأمل الآية الكريمة؛ فإن فيها ما يلي:

- أنه يجب نصرة إخواننا المستضعفين الذين يعتدي عليهم الكفار بشرطين:

الشرط الأول: أن يطلبوا نصرنا. {وإن استنصروكم}.

الشرط الثاني: أن لا يكون بيننا وبين الكفار المعتدين عليهم عهد وميثاق {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق}.

- وفي الآية دلالة أن العهد والميثاق الذي بيننا وبين الكفار لا ينتقض بمجرد اعتدائهم على المسلمين؛ لأن الله أمر بحفظ عهدهم مع وجود الاعتداء منهم على المسلمين المستضعفين.

- وفي الآية أن النصرة إنما تكون في الدين، لا لقومية، ولا عصبية، ولا لمصالح دنيوية {وإن استنصروكم في الدين}.

- وفي الآية أن شرع الله -جل وعلا- لا يكون بالعاطفة أو بالحماسة؛ فإن هذه حدود الله -جل وعلا-، وهذا شرعه، والله يغار أن يضيع شرعه ودينه، {والله بما تعملون بصير}.

- وفي الآية تأكيد حفظ العهد والميثاق، وهذا قد جاء نصًا في آية أخرى، 

قال -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}. (المائدة:1).

قال -جل وعلا-: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}. (الإسراء:34).


والله الموفق.

كشكول ٢٥٣: التثبت من المعلومة والخبر من أهم دعائم العلم الصحيح


التثبت من المعلومة والخبر من أهم دعائم العلم الصحيح؛

فالعلم:
- إمّا نقل مصدق،
- أو نظر محقق، 


وبدون ذلك تختل الهيئة العلمية لطالب العلم.

كشكول ٢٥٢: إذا أردت -يا مسلم- أن ترفع عن نفسك سمة الجهل الذي لا تعذر به؛ فاسع إلى طلب العلم


إذا أردت -يا مسلم- أن ترفع عن نفسك سمة الجهل الذي لا تعذر به؛ فاسع إلى طلب العلم، ولا تركن إلى الراحة، فما حصل بعد ذلك من قصور؛ فأنت معذور فيه.


فالجهل الذي يعذر به المرء هو الجهل الذي يكون بعد بذل الوسع والجهد فى طلب العلم وسؤال العلماء، فإذا لم يتمكن الإنسان من ذلك، إن كان مثلاً في صحراء ولا توجد وسائل الاتصال، أو كان في أرض بعيدة لا يستطيع أن يتصل بأحد فهو يعذر بجهله.

كشكول ٢٥١: والله لن يرفع عنا الله الذل والهوان إلا بالرجوع إلى الدين...


والله لن يرفع عنا الله الذل والهوان إلا بالرجوع إلى الدين.

ولا طريق للرجوع إلى الدين إلا بطلب العلم.

فإذا طلبنا العلم الصحيح الذي يكون بفهم السلف الصالح، وطبقناه، فإن الله -سبحانه وتعالى- سيرفع عنا الذل والهوان.

وسيرفع عنا الفتنة.

ونكون أمة مسلمة حقًا.

أمة يمكنها الله -سبحانه وتعالى- في هذه الدنيا.


قال الله -تبارك وتعالى-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. (النور:55).

كشكول ٢٥٠: من محاضرتي: (الهمة في طلب العلم)


من محاضرتي: (الهمة في طلب العلم).

«تمر الأمة الإسلامية فى هذه الأزمان المتعاقبة بفتن عظيمة تجعل الحليم حيران، ابتعد فيها الناس عن العلم الشرعي، وجهل فيها الناس ما يلزمهم أن يتعلموه من أحكام دينهم، وأصبح أعداؤهم يترصدون لهم ويتصيدونهم بسبب هذا الجهل، وهذا زمن الفتن الذي قال عنه ابن مسعود -رضي الله عنه-: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت السنة قالوا: «ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟». قال: «إذا كثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة».


فتنة أصبحنا نعيش فيها اليوم كما جاء عن علي بن أبي طالب -رضى الله عنه- قال: «يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القران إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علمائهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود». أصبح الناس إلا من رحم ربك، يقيمون حكمه ولا معناه ولا العمل به، أصبح الناس ينتسبون إلى الإسلام بالاسم ولا يعرفون من الإسلام شيئًا ما شاء الله تعالى، وأصبح الناس يتخذون من أحوالهم وعاداتهم وشؤونهم أمورًا يظنوها الدين، فاذا جاء من ينكرها عليهم قالوا: جاء فلان ليغير الدين، والرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا أنه سيحدث فى الأمة اختلاف وتغير، وأن السبيل إلى إزالة هذا التغير والاختلاف هو بالرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة»اهـ.

لفت نظري ١٨: ما قرأته في مقال لأحدهم حيث يقول: «أتذكر حين وقعت عيني على أول مفردات التكفير و(نواقض الإسلام) في 1999م...»


لفت نظري:

ما قرأته في مقال لأحدهم حيث يقول: «أتذكر حين وقعت عيني على أول مفردات التكفير و(نواقض الإسلام) في 1999م، لم يكن ذلك في مكان سري أو مخبأ قاعدي بل كانت في صفوف المدرسة وفي منهج تعليمي رسمي، كانت العبارات المستقاة من كتاب التوحيد تكفر بشكل واضح كل من يوالي الكفار، تساءلت حينها ورفعت بصري للمعلم وسألته هل ينطبق هذا على العلاقة السياسية مع أميركا؟ لم يجب وانطفأت جذوة السؤال في رأسي»اهـ.

قلت (محمد بازمول): وهذا المقطع ينبه إلى أن ضعف المعلم في الصفوف الدنيا، وأن ضعف وضوح الرؤية لديه؛ من أسباب تسرب الفهم الضال إلى عقول الشباب الذين ضلوا طريق السنة وأهلها.

تخيل: أن المعلم لما سأله الطالب هذا السؤال في موضوع موالاة الكفار: (هل ينطبق هذا على العلاقة السياسية مع أميركا؟) أجابه بقول: لا، وذلك لأننا معها في عهد وصلح وميثاق، والإسلام يأذن للدولة المسلمة أن تدخل مع الدولة الكافرة في عهد وميثاق وصلح كما دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع كفار قريش في عهد وميثاق وصلح عرف بـ (صلح الحديبية). 

ثم بين له أن موالاة الكفار على درجتين: 

الأولى: موالاتهم بمعنى حبهم، وحب دينهم، ونصرتهم، ونصرة دينهم، وهذا كفر أكبر مخرج من الملة.

والدرجة الثانية: موالاة لا تخرج من الملة، تدور مع الأحكام الشرعية الخمسة، وبينها ووضحها؛

أمّا الموالاة بمعنى التشبه بهم في أمورهم الدنيا فيما هو من خصائصهم فهذا من التشبه بهم، وهو محرم. 

أمّا الموالاة بمعنى التعامل معهم في الظاهر بالبيع والشراء ونحوه من المعاملات، فهذا لا حرج فيه، وهو من المباحات؛ فقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي.

أما الموالاة بمعنى تحقيق الحق والعدل، ونصرتهم في ذلك فهذا مأمور به شرعاً، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8). 

أمّا موالاتهم بمعنى ترغيبهم في الحق ودين الإسلام فهذا مستحب. 

وموالاتهم بمعنى تفضيلهم في أمور الدنيا على المسلمين، كالأجير الكافر يفضل لحسن صنعته على المسلم، فهذا خلاف الأولى.

هل يبقى بعد ذلك في نفس ذلك الطالب في صف الدراسة أي مكان أو بيئة لفكر تكفيري ضال؟! 

يبقى شيء لابد من التنبيه إليه:


وهو أن مناهج التعليم الدراسية التي قررت التوحيد ونواقض الإسلام، ليست السبب في الفكر الضال الذي جاء بداعش والقاعدة، ولكنه زيغ القلوب، قال -جل وعلا-: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ}. (آل عمران:7).

علمني ديني ٧٨: أن كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة...


علمني ديني: 

أن كُلَّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ أَوْ يَقُولُهُ مِنَ الْخَيْرِ يُكْتَبُ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ، بل َيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». (أخرجه البخاري حديث رقم: (6021)، ومن حديث جذيفة أخرجه مسلم حديث رقم: (1005). 


وعن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ». قَالُوا: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟». قَالَ: «فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ». قَالُوا: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟». قَالَ: «فَيُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ». قَالُوا: «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟». قَالَ: «فَيَأْمُرُ بِالخَيْرِ» أَوْ قَالَ: «بِالْمَعْرُوفِ» قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟». قَالَ: «فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ».». (أخرجه البخاري (6022)، و مسلم حديث رقم: (1008).).

هل تعلم ٢٠: أنه مضى اليوم على وفاة ابن باز 16 عامًا!


28 محرم 1436 هـ.
21\11\2014 م.

هل تعلم:

أنه مضى اليوم على وفاة ابن باز 16 عامًا!

نحن اليوم في محرم عام 1436هـ.

والشيخ مات في يوم الخميس 27/1/1420 هـ.


لما قرأت ذلك أصبت بحالة اندهاش، لم أشعر بذلك، كأن الشيخ ما مات إلا قبل مدة وجيزة... لا زال -رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته- في ذكر علمه ومسائله حياً بيننا.

كشكول ٢٤٩: مميزات خاصية البحث في المدونة



للقائمين على المدونة شكري وتقديري -جزاكم الله خيراً، ونفع الله بكم-.

خاصية البحث فيها تيسر كثيراً على من يريد النظر في موضوع واحد. إذا كتبت كلمة في خانة البحث تأتيك كل المنشورات التي فيها هذه الكلمة على التوالي.

خاصية البحث في أعلى الصفحة على جهة اليمين.


صراحة إبداع... الله يوفقكم، ويبارك فيكم، ويجعله ربي في موازين حسناتكم.


(المصدر: صفحة الشيخ د. محمد بن عمر بازمول في الفيس بوك وتويتر)

علمني ديني ٧٧: أن الحليب وتناوله من أنفع الأغذية، يغني عن الطعام والشراب.


علمني ديني: 

أن الحليب وتناوله من أنفع الأغذية، يغني عن الطعام والشراب. 


عن ابن عباس -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأبدلنا خيرًا منه. وإذا شرب لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه؛ فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن». أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي في الشعب، وحسنه لغيره الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم: (2320) (وهذا وجه من الإعجاز العلمي).

كشكول ٢٤٨: ما منزلة من يقول الحافظ ابن حجر عنه: «صدوق يهم»؟


سؤال: «ما منزلة من يقول الحافظ ابن حجر عنه: «صدوق يهم»؟».

الجواب: 
كتاب «تقريب التهذيب»، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ) -رحمه الله-، من الكتب التي ملأت دنيا أهل الحديث، وشغلتهم، فكم من مصنَّف لأهل العلم وطلابه عنه. وإن من المسائل التي تشغل بال كثير من الباحثين في رجال الكتب الستة، مراده -رحمه الله- من بعض ألفاظ الجرح والتعديل، التي استعملها في كتابه، ومرتبة أصحابها، من ذلك قول في بعض الرواة: «صدوق يهم». فهل هؤلاء حديثهم في مرتبة الحسن لذاته؟ أو في مرتبة الحسن لغيره؟ وما الفرق بين من قال فيه: «صدوق»، ومن قال فيه: «صدوق يهم»؟ 

الذي عندي -والله أعلم-: 

أن من قال فيه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- (صدوق يهم) أو (صدوق يخطئ) أو (صدوق له أوهام)، ونحو هذه الألفاظ التي هي عنده في المرتبة الخامسة؛ أقول: الذي عندي أن أصحاب هذه المرتبة حديثهم يُحسن بعد التأكد أن الحديث الذي يرويه (موضوع البحث) ليس مما أخطا فيه الراوي، ويعرف ذلك بمراجعة المطولات؛ فإنها تذكر عادة مواطن خطأ الراوي، فإن لم يعد هذا من أوهامه، يحسن حديثه. 

فإن قلت: ما الفرق بين من قال فيه: «صدوق» وبين أصحاب هذه المرتبة؟ 
فالجواب: أن من قال فيه: «صدوق يهم» لا يحسن حديثه إلا بعد التأكد من أن حديثه هذا بعينه ليس مما أخطا فيه، بخلاف من قال فيه: «صدوق»، 
فإنك في الذي قال عنه: «له أوهام»، لابد أن تراجع الكتب المطولة في ترجمته التي تذكر في الغالب الأحاديث التي أخطأ فيها الراوي أو وهم فيها، وأحياناً تكون للراوي روايات بعينها هي التي تضعف، فيدعوك الحافظ للنظر في التراجم المطولة بقوله: «صدوق له أوهام» أو «صدوق يهم» ونحو ذلك من العبارات التي يستعملها في المرتبة الخامسة.
وفائدة أخرى للتفريق بينهم مع أن حديثهم في مرتبة الحسن: للترجيح بينهم عند التعارض، والرواية. 

فإن قلت: ما الدليل على أن هذا هو مراد الحافظ ابن حجر؟ 

فالجواب: استفدت هذا من عدة أمور:
منها: أنه استعمل نفس هذا التعبير في من قيل فيه ثقة، فهو يقول: «ثقة يخطئ»، «ثقة له أوهام»، وتستطيع التأكد من ذلك بمراجعة التقريب، ولا أريد الإطالة بذكر أمثلة الآن.
ومنها: أنه جعل أصحاب المرتبة السادسة هم من لم يثبت ما يترك حديثهم من أجله، فدل ذلك أن الذين هم قبلهم أنهض منهم، وأقوى. 
ومنها: أنه جعل أصحاب المرتبة الثامنة من قال فيهم (ضعيف)، فهؤلاء: «من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إطلاق الضعف، ولو لم يفسر، وإليه الإشارة بلفظ: ضعيف». فإذا لاحظت أن هؤلاء في الثامنة فأصحاب المرتبة الخامسة كيف يعاملون معاملة من قيل فيه: «ضعيف»؟ أليس هذا مما يدل أنهم أعلى عند الحافظ بثلاث مراتب منهم؟! 
ومنها: أنه جعل في المرتبة الخامسة من رمي ببدعة، فقال: «من قصر عن الرابعة قليلاً، وإليه الإشارة بـ: صدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة. ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة كالتشيع والقدر والنصب والإرجاء والتجهم، مع بيان الداعية من غيره»؛ ومعلوم أن صاحب البدعة يقبل حديثه مادام ضابطاً له، ما لم يكن داعية كما هو قول كثير من أهل الحديث، وما لم يكن مرويه مما ينصر بدعته، كما هو قول آخرين من أهل الحديث. 

ومنها: أنه عد في هذه المرتبة من وصف بالتغير، ومعلوم أن التغير لا يرد به حديث صاحبه، ما لم يصل إلى حد الاختلاط، فإنه يضعف بذلك، ولا يقبل منه مطلقاً إذا لم يميز حديثه، أو يقبل ما ميز أنه رواه قبل الاختلاط.

هذا ما عندي فإن كان صواباً فالحمد لله، والفضل بعد الله إليكم لإثارتكم هذه المسألة، وإن كانت الأخرى فرحم الله من أهدى إلي عيوبي، وأنا راجع عن الخطأ والزلل.

كشكول ٢٤٧: الرجوع إلى مدونتي يساعدك في



الرجوع إلى مدونتي يساعدك في:

- طلب النظر في منشوراتي السابقة.

- في البحث عن جميع المنشورات المتعلقة بموضوع واحد (باستعمال خاصية البحث).

- في النظر في الموضوعات كل موضوع على حدة، فيمكنك النظر في جميع ما نشر هنا من (علمني ديني) متوالياً متتالياً، و(لفت نظري) كذلك، و(خطر في بالي) كذلك، و(قال وقلت)، و(سؤال وجواب) كذلك.

- في ترجمة المنشور.

- في أخذ المنشورات مصححة في الغالب.

وهذا رابطها:


كشكول ٢٤٦: مراسيل إبراهيم النخعي


مراسيل إبراهيم النخعي صحيحة.

المراسيل عند المحدثين ضعيفة، 

واستثنوا مراسيل ابن المسيب، 

والفائدة هنا في مراسيل النخعي، 


قال ابن عبدالبر النمري -رحمه الله-: «وأجمعوا أن مراسيل إبراهيم صحاح»اهـ الاستذكار (6/137).

سؤال وجواب ٥٥: ما هي مصادر التشريع المتفق عليها والمختلف فيها؟


سؤال: «ما هي مصادر التشريع المتفق عليها والمختلف فيها؟».

الجواب: 

مصادر التشريع المتفق عليها هي:
- الكتاب،
- والسنة،
- والإجماع،
- والقياس.

وما عدا هذه مختلف فيه؛ أشهرها:
- قول الصحابي. 
- والمصالح المرسلة. 
- والاستصحاب. 
- والاستحسان. 
- والعرف. 
- وشرع من قبلنا. 
- والأخذ بأقل ما قيل.
- والاستقراء. 
- وسد الذرائع.
- وإجماع أهل المدينة. 
- وإجماع أهل الكوفة. 


والله أعلم.

سؤال وجواب ٥٤: هل يعتد بخلاف الظاهرية في المسائل؟


سؤال: «هل يعتد بخلاف الظاهرية في المسائل؟». 

الجواب:
الذي يظهر -والله أعلم- أنه يعتد بخلاف الظاهرية، إلا في المسائل التي كان خلافهم فيها مبنياً على أصولهم التي ردها أهل العلم، وهي: 

- ردهم للقياس.

- توسعهم في استعمال الاستصحاب.

- اعتبارهم أن الأصل في العقود والمعاملات البطلان حتى يثبت الدليل بالجواز.

- جمودهم عند ظاهر اللفظ دون اعتبارهم للمعنى المراد منه. 


فأي خلاف لهم مبني على هذه الأمور لا يعتد به، وما عدا ذلك فخلافهم معتد به، والله أعلم.

هل تعلم ١٩: أن ما قد يصل إلى الثلث من السنة مبثوث في أقوال الصحابة


هل تعلم:

أن ما قد يصل إلى الثلث من السنة مبثوث في أقوال الصحابة، فإذا أهملت أقوال السلف ضيعت قسماً كبيراً من السنة.

الخميس، 4 ديسمبر 2014

كشكول ٢٤٥: شرع من قبلنا


شرع من قبلنا 

هذا من الأدلة المختلف فيها.

ولعل الراجح في المسألة: أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا خلافه.

والدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}. (الأنعام:   90).

بشرط:
- أن يكون هذا مما ذكره الله -جل وعلا- أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- عمن قبلنا،
- ولم يأت في شرعنا ما يخالفه،
- ولم يأت في سياق يدل على رده.

وهذا الدليل نافع جداً في تقرير الاستدلال بما أخبرنا الله -جل وعلا- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- عن من قبلنا في سياق لا يدل على الرد، ولم يأت في شرعنا خلافه.

قال الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات (4/159 – 161) باختصار: «كُلُّ حِكَايَةٍ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا -وَهُوَ الْأَكْثَرُ- رَدٌّ لَهَا، أَوْ لَا؛
فَإِنْ وَقَعَ رَدٌّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي بُطْلَانِ ذَلِكَ الْمَحْكِيِّ وَكَذِبِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مَعَهَا رَدٌّ؛ فَذَلِكَ دَلِيلُ صِحَّةِ الْمَحْكِيِّ وَصِدْقِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ،
وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَحْضَرَهُ فِي ذِهْنِهِ عَرَفَ هَذَا بِيُسْرٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَظَاهِرٌ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ نَفْسِ الْحِكَايَةِ وَإِقْرَارِهَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ سُمِّيَ فُرْقَانًا، وَهُدًى، وَبُرْهَانًا، وَبَيَانًا، وَتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ وَالْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَأْبَى أَنْ يُحْكَى فِيهِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ ثُمَّ لَا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا يُحْكَى فِيهِ مِنْ شَرَائِعِ الْأَوَّلِينَ وَأَحْكَامِهِمْ، وَلَمْ يُنَبَّهْ عَلَى إِفْسَادِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فِيهِ؛ فَهُوَ حَقٌّ يُجْعَلُ عُمْدَةً عِنْدَ طَائِفَةٍ فِي شَرِيعَتِنَا، وَيَمْنَعُهُ قَوْمٌ، لَا مِنْ جِهَةِ قَدْحٍ فِيهِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ كَشَرِيعَتِنَا، وَلَا يَفْتَرِقُ مَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِحُكْمِ النَّسْخِ فَقَطْ، وَلَوْ نَبَّهَ عَلَى أَمْرٍ فِيهِ لَكَانَ فِي حُكْمِ التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}. الْآيَةَ (الْبَقَرَةِ: 75).
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ جَمِيعُ مَا حُكِيَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِمَّا كَانَ حَقًّا؛ كَحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهُ قِصَّةُ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَقِصَّةُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَقِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.»اهـ.

قلت: وكذا الحال في أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فما قصه علينا وأخبرنا به عن حال من قبلنا ولم يأت ما يرده أو يبطله فهو حق وشرع لنا!


والمقصود: أن شرع من قبلنا الذي أخبرنا الله جل وعلا به في كتابه أو أخبرنا به رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولم يأت ما يدل على رده أو نسخه، فإن تقريره دليل شرعيته لنا. فآل الأمر في أنه شرع لنا إلى تقرير الله -جل وعلا- وتقرير الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والله الموفق.

كشكول ٢٤٤: الاستصحاب


الاستصحاب

من الأدلة المختلف فيها.

وهو ثلاثة أنواع:

استصحاب الأصل في الأعيان، وهو الحل والطهارة.

استصحاب الأصل في المسألة، وهو براءة الذمة.

استصحاب الإجماع.

ومعنى الاستصحاب أن يقول الفقيه لما يسأل عن أمر: هذا الأصل فيه كذا، يعني فأنا عليه حتى يأتي دليل يخرج عن الأصل.

والخطأ يقع في استعمال هذا الدليل في غير محله.

لأن محل استعمال دليل الاستصحاب عند فقد الدليل يعني عند عدم وجود الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس.

وأخطأ الظاهرية باستعمالهم دليل الاستصحاب مع وجود الدليل، في مسائل يمكن أن تفرد في رسالة، من هذه المسائل مسألة عروض التجارة، فاستصحبوا أصل براءة الذمة وعدم التكليف، ونفوا زكاة عروض التجارة لعدم الدليل بحسب ظنهم! والواقع أنه لا محل لدليل الاستصحاب في هذه المسألة؛ لأن الذمة شغلت بوجوب الصدقة في كل مال لدى المسلم، بالعمومات الواردة كقوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}. (الذاريات:19)، وقوله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ}. (المعارج:24). هذه العمومات تبطل الاستدلال بدليل الاستصحاب، وتعكس المسألة على الظاهرية فبدلاً من أن يقال: الأصل براءة الذمة، يقال: الأصل شغل الذمة بهذه العمومات والبحث فيما يخرج من الأموال فلا تجب فيه الزكاة. ولذلك تجد تبويبات أهل العلم وبحثهم في الدليل على عدم وجوب الزكاة في كذا، والله الموفق.

كشكول ٢٤٣: قول الصحابي، من الأدلة المختلف فيها عند الأصوليين



قول الصحابي،

من الأدلة المختلف فيها عند الأصوليين.

ليس بحجة مستقلة، فهو ليس كالقرآن العظيم ولا السنة النبوية، وهذه بدهية شرعية عقدية.
وهو حجة تبعية؛ بمعنى أنه يكون حجة تبعاً لأمور، أو في أحوال معينة، وهي التالية:
1- قول الصحابي في ما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه.
2- قول الصحابي الذي لا مخالف له؛ لأنه إجماع سكوتي.
3- قول الصحابي في تفسير مرويه؛ لأنه أدرى بالمراد به.
4- قول الصحابي في تفسير القرآن الكريم؛ لأنه يبنيه على ما فهمه من الرسول -صلى الله عليه وسلم- في معنى الآية.
5- قول الصحابي في سبب النزول سواء بصيغة صريحة، أم بصيغة غير صريحة.
6- قول الصحابي في ما يسميه علماء التفسير: (قراءة تفسيرية)؛ لأنه على أدنى الأحوال حديث مسند.
7- قول الصحابي في المسائل التي اختلفوا فيها، فإنه حجة في أن لا يخرج عن أقوالهم؛ لأن اختلافهم على هذه الأقوال دليل على أنها لا تحتمل غيرها.
8- قول الصحابي إذا اتفقوا فهو إجماع.

تفسير الصحابي للقرآن العظيم كيف يكون في حكم المرفوع؟

إن قيل: «ألم يختلف الصحابة في تفسير القرآن الكريم، ألا يدخل الرأي والاجتهاد تفسير الصحابة للقرآن العظيم؟».

فالجواب: نعم يدخل تفسيرهم الرأي والاجتهاد، ولكنه مبني على ما فهموه عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- من معاني القرآن الكريم، وهذا يجعل لتفسيرهم ميزة، وهو أن المعنى الأصلي والقاعدة التي ينطلق منها كلام الصحابي في الآية هي المعنى الذي فهمه من الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
هذا المعنى جعل أهل الحديث يجعلون تفسير الصحابي للقرآن الكريم في حكم المرفوع.
قال ابنُ أبي حاتم في تقدمة كتاب الجرح والتعديل (١/٧): «فأما أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله -عز وجل- لصحبه نبيِّه -صلى الله عليه وسلم-، ونصرته، وإقامة دينه، وإظهار حقه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوة، فحفظوا عنه -صلى الله عليه وسلم- ما بلَّغهم عن الله عز وجل، وما سنَّ، وشرع، وحكم، وقضى، وندب، وأمر، ونهى، وحظر، وأدَّب، ووعوه وأتقنوه؛ ففقهوا في الدين. وعلموا أمر الله، ونهيه، ومراده: بمعاينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب، وتأويله، وتلقفهم منه، واستنباطهم عنه؛ فشرفهم الله -عز وجل- بما منَّ عليهم وأكرمهم به، من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشكَّ والكذب، والغلط، والريبة، والغمز، وسمَّاهم (عدول الأمَّة)، فقال -عزَّ ذكرُه- في محكم كتابه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. (البقرة: من الآية: ١٤٣)، ففسَّر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن الله -عزَّ ذكره- قولَه: {وسطًا}، قال: «عدلًا»؛ فكانوا عدول الأمَّة، وأئمة الهدى، وحجج الدين، ونقلة الكتاب والسنة، وندب الله -عز وجل- إلى التمسك بهديهم، والجري على منهاهجم، والسلوك لسبيلهم، والاقتداء بهم، فقال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}. (النساء: ١١٥)، ووجدنا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قد حضَّ على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال: «نَضّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا حَتَّى يُبَلِّغَهَا غَيْرَهُ». وقال -صلى الله عليه وسلم- في خطبته: «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ». وقال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ»، ثم تفرَّقت الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- في النواحي، والأمصار، والثغور، وفي فتوح البلدان، والمغازي، والإمارة، والقضاء، والأحكام؛ فبثَّ كل واحد منهم في ناحية، وبالبلد الذي هو به، ما وعاه وحفظه عن رسول -صلى الله عليه وسلم-، وحكموا بحكم الله -عز وجل-، وأمضوا الأمور على ما سنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نظائرها من المسائل، وجرَّدوا أنفسهم (مع تقدمة حسن النية، والقربة إلى الله -تقدس اسمُه-)؛ لتعليم الناس الفرائض، والأحكام، والسنن، والحلال والحرام، حتى قبضهم الله -عز وجل- رضوان الله، ومغفرته، ورحمته عليهم أجمعين» اهـ. تأمل قوله -رحمه الله-: «وعلموا أمر الله، ونهيه، ومراده، بمعاينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب، وتأويله، وتلقفهم منه، واستنباطهم عنه» اهـ. 


قال ابنُ القيِّم -رحمه الله- في كتابه (أعلام الموقعين، (٤/١٥٣).): «ما تقولون في أقوالهم في تفسير القرآن، هل هي حجَّة يجب المصير إليها؟ قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوبُ من أقوال مَنْ بعدهم. وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع؛ قال أبو عبد الله الحاكم في (مستدركه): «وتفسيرُ الصحابيِّ عندنا في حكم المرفوع». ومرادُه أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولًا، فلنا أن نقول: هذا القول قولُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وله وجه آخر: وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيَّن لهم معاني القرآن، وفسَّره لهم، كما وصفه تعالى بقوله: {لتبيِّن للناس ما نزل إليهم}، فبيَّن لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه، فأوضحه له...» اهـ.

هل تناقض الحاكم -رحمه الله- صاحب المستدرك على الصحيحين؟

وقد نصَّ الحاكم على أن الشيخين يَعُدَّان تفسير الصحابيِّ من قبيل المسند المرفوع)، فقال: «ليعلم طالب هذا العلم: أن تفسير الصحابيَّ الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديثٌ مسندٌ»اهـ(المستدرك (2/645، عقب الحديث رقم: 3075 علوش)).
فإن قيل: اختلف كلام الحاكم حيث قال -رحمه الله- في كتابه «معرفة علوم الحديث»(ص: 148-149 -السلوم، باختصار وتصرُّف يسير.): «ومن الموقوف الذي يُستدلُّ به على أحاديث كثيرة ما [جاء] عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في قول الله -عز وجل- : {لوَّاحة للبشر}. (المدَّثِّر:29)، قال : «تَلْقَاهُمْ جَهَنَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَلْفَحُهُمْ لَفْحَةً، فَلَا تَتْرُكُ لَحْمًا عَلَى عَظْمٍ إِلَّا وَضَعَتْ عَلَى الْعَرَاقِيبِ». 
قال: وأشباهُ هذا من الموقوفات تعدُّ في تفسير الصحابة. فأمَّا ما نقول في تفسير الصحابي: مسند، فإنما نقوله في غير هذا النوع، فإنه كما [جاء] عن جابر قال: «كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عز وجل-: {نساؤكم حرث لكم} [البقرة: من الآية 223]» قال الحاكم: هذا الحديث وأشباهُه مسندةٌ عن آخرها، وليست بموقوفة، فإن الصحابيَّ الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا، فإنه حديث مسند»اهـ. فكلامه هذا يبيِّن أن قول الصحابي في التفسير موقوف عليه!
فالجواب: مراد الحاكم بما أورده في كتابه معرفة علوم الحديث، بيانُ ما يدخل في كتب المساند، فإن ما انتهى إلى قول الصحابي في تفسير الآية، هو موقوف سندًا، وما انتهى إلى ذكر الصحابي لسبب نزول، أو أمر حدث في زمن النبيِّ هذا مرفوع سندًا، فيورَد في كتب المساند. 
والشيخان يعُدَّان كل ذلك مسندًا، فهو مرفوع حقيقة أو حكمًا. 
فليس في كلام الحاكم اختلافٌ أو تعارض؛ لأن الجهة منفكَّة؛
ففي كلامه الأول في كتابه (المستدرك) نظرُه إلى معنى ما يجيء عن الصحابي في تفسير القرآن، فهو من المسند (=المرفوع سندًا أو حكمًا).
وفي كلامُه في كتابه (معرفة علوم الحديث) نظرُه إلى كتب المساند (جمع مسند) وطريقة المصنِّفين فيها، فإنها تورد ما انتهى إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- (قولًا أو فعلًا أو تقريرًا)، ولا تورد ما انتهى إلى الصحابيِّ، إلا ما كان في حكم التقرير، وهو ما حدث في زمنه -صلى الله عليه وسلم- كأسباب النزول.
ويؤكِّد هذا أنه أورد أثرًا عن أبي هريرة مما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، وقال: إنه من الموقوف، وعبارته: «ومن الموقوف الذي يُستدَلُّ به على أحاديث كثيرة: ما [جاء] عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في قول الله -عز وجل-: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَر} قال: «تَلْقَاهُمْ جَهَنَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَلْفَحُهُمْ لَفْحَةً، فَلَا تَتْرُكُ لَحْمًا عَلَى عَظْمٍ إِلَّا وَضَعَتْ عَلَى الْعَرَاقِيبِ». قال: وأشباهُ هذا من الموقوفات تُعدُّ في تفسير الصحابة»اهـ ، فلم يكن مقصوده نفس كلام الصحابي، إنما مقصوده هنا ذكر طريقة التصنيف في كتب المساند. 
وقال ابنُ تيمية -رحمه الله-: «وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي أُنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟
فالبخاريُّ يُدخله في المسند، وغيرُهُ لا يدخلُهُ في المسند، وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره؛ بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند"هـ(مقدمة أصول التفسير مع شرحها لمحمد بازمول: (ص88).).

فلم يتناقض كلام الحاكم -رحمه الله- كما يظهر، والله أعلم.

الخميس، 27 نوفمبر 2014

تطبيق أصولي ٥: جمع المصحف بين دفتين


تطبيق أصولي: مثال المصلحة المرسلة التي لم يكن لها مقتضى على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ووجد مقتضاها في زمن الصحابة جمع المصحف بين دفتين، والله أعلم. 

جمع المصحف لم يقم المقتضي له في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ 

لأن تنزيل القرآن العظيم لم يكتمل إلى قريب وفاته -صلى الله عليه وسلم-. فلما اكتمل تنزيل القرآن قام أبو بكر بجمع المصحف،

وجمعه بين دفتين.

وفعله ليس ببدعة؛

لأن الله جل وعلا سمى القرآن العظيم كتاباً: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. (البقرة: 2)، 

فتسميته بالكتاب تدل على أن جمعه بين الدفتين لا يخالف الشرع

فتحصل أن جمع المصحف بين دفتين مصلحة مرسلة صحيحة؛ لعدم مخالفته للكتاب والسنة، 


وتحققت فيه جميع الشروط المذكورة. والله الموفق.

تطبيق أصولي ٤: ماذا عن تلك الخشبات التي تجدها في بعض المساجد يضعها المنفرد للسترة؟


تطبيق أصولي: ماذا عن تلك الخشبات التي تجدها في بعض المساجد يضعها المنفرد للسترة؟

الجواب: هذه الخشبات التي توضع في المسجد لتكون سترة للمصلي، كان الداعي المقتضي لها موجوداً زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك لم يفعلها.

ولم يأمر بها.

وإنما كان الصحابة يبتدرون السواري، 

ولم يرد أنهم كانوا يصنعون مثل هذه الخشب للسترة. 

فاتخاذها في المسجد خلاف السنة، 

ولا تدخل من أجل هذه المخالفة في المصالح المرسلة،


فإن إتباع السنة في الفعل والترك. وفق الله الجميع لطاعته.

تطبيق أصولي ٣: هل يمكن تنزيل مسألة وضع الخطوط في المساجد من أجل إستقامة الصف على المصالح المرسلة؟


تطبيق أصولي: هل يمكن تنزيل مسألة وضع الخطوط في المساجد من أجل إستقامة الصف على المصالح المرسلة؟ 

الجواب: وضع الخطوط على السجاد من أجل تسوية الصف لا تدخل في باب المصالح المرسلة؛ لأنها تخالف السنة؛ 

ووجه ذلك أن المقتضي لها كان موجوداً وميسراً زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك لم يفعله، 

فاستعمالها في المسجد من أجل تسوية الصف بدعة وليس مصلحة، 

لأنه يخالف السنة التركية للرسول -صلى الله عليه وسلم-.

فيما يظهر.


ملحوظة: لا تنس أن هذه مسألة اجتهادية، فمن أهل العلم من يرى خلاف ذلك. والمقصود التطبيق الأصولي.

تطبيق أصولي ٢: لا يصح اعتبار الخروج في المظاهرات والاعتصامات من باب المصالح المرسلة


تطبيق أصولي:
استدل بعض من (يدعون) السلفية أن (المظاهرات) و(الاعتصامات) ((السلمية)) من هذا الباب؛ باب المصالح المرسلة. 

أقول: لا يصح اعتبار الخروج في المظاهرات والاعتصامات من باب المصالح المرسلة لعدة أمور:

- لأن فيها ضياعاً لتحقيق مقاصد الشرع من حفظ الأنفس، والدين، والأموال؛ لأنها في الغالب تؤدي إلى ذلك ومن خيالاتهم قولهم: مظاهرات سلمية!

- لأن في ذلك تشبهاً بالكفار؛ فهذا الأسلوب من التعبير أسلوب وافد إلى المجتمعات الإسلامية، لعله يناسبهم لكنه لا يناسبنا.

- لأن في ذلك خروجاً على ولاة الأمر في نصيحته والسمع والطاعة له، فهو يعارض الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ لأنها جميعها تدل على وجوب لزوم الجماعة والسمع والطاعة، وتلزم بالصبر على جور الأئمة.

- لأن الخروج في المظاهرات والاعتصامات لا يحقق مصلحة لجماعة المسلمين، بل يجعل الجماعة عرضة للفتن والكيد وتسلل أهل الباطل والأطماع والأغراض الخبيثة.

- لأن التجربة الواقعة في البلدان التي لم تخضع لحكم الشرع وحكمته دخلت في دهاليز مظلمة بسبب المظاهرات والاعتصامات لم تخلص منها إلى اليوم!


أسأل الله العافية والسلامة لي ولجميع المسلمين.

كشكول ٢٤٢: تعلموا -بارك الله فيكم- في المسائل الخلافية الاجتهادية التي لا يوجد فيها دليل يلزم اتباعه...


تعلموا -بارك الله فيكم- في المسائل الخلافية الاجتهادية التي لا يوجد فيها دليل يلزم اتباعه؛ 

سعة الصدر للمخالف.

وترك التعنيف للمخالف.

والترفق في مناصحته.


بوركتم.

كشكول ٢٤١: مع المخالف في الدين: {وجادلهم بالتي هي أحسن}؛ فكيف يكون الجدل مع الموافق في الدين في مسألة اجتهادية؟!



مع المخالف في الدين: {وجادلهم بالتي هي أحسن}؛


فكيف يكون الجدل مع الموافق في الدين في مسألة اجتهادية؟!

كشكول ٢٤٠: خيط رفيع في بعض المسائل بين الحق والباطل؛ فلننتبه له حتى لا نقع في الباطل!


خيط رفيع في بعض المسائل بين الحق والباطل؛

فلننتبه له حتى لا نقع في الباطل! 


اللهم ارنا الحق وارزقنا اتباعه، وارنا الباطل وارزقنا اجتنابه.

كشكول ٢٣٩: الاستحسان


الاستحسان.

معدود من الأدلة المختلف فيها.

وعند التحقيق ليس منها.

والمراد به ما يستحسنه المجتهد بعقله. وهذا المعنى اتفق على أنه باطل لا يجوز أن يتكلم أحد في شرع الله بالعقل المجرد. ولذا قيل: من استحسن فقد شرع. 


والمعاني الأخرى المذكورة للاستحسان والمراد به تدخل في العرف والمصالح المرسلة والقياس والعمل بالكتاب والسنة، وبهذا يخرج الاستحسان إلى معاني متفق عليها غير مختلف فيها.

كشكول ٢٣٨: إجماع أهل المدينة


إجماع أهل المدينة

من الأدلة المختلف فيها

قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وعندَ التَّحْقِيقُ هو على مراتب؛ 

مِنْهُ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. 

وَمِنْهُ مَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. 

وَمِنْهُ مَا لَا يَقُولُ بِهِ إلَّا بَعْضُهُمْ. 

وَذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ: 

الْأُولَى: مَا يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.  مِثْلُ نَقْلِهِمْ لِمِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ؛ وَكَتَرْكِ صَدَقَةِ الْخَضْرَاوَاتِ وَالْأَحْبَاسِ فَهَذَا مِمَّا هُوَ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ أَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَأَصْحَابُهُمَا فَهَذَا حُجَّةٌ عِنْدَهُمْ بِلَا نِزَاعٍ كَمَا هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ. وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ قَاضِي الْقُضَاةِ - لَمَّا اجْتَمَعَ بِمَالِكِ وَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَأَجَابَهُ مَالِكٌ بِنَقْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَوَاتِرِ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى قَوْلِهِ وَقَالَ: «لَوْ رَأَى صَاحِبِي مِثْلَ مَا رَأَيْت لَرَجَعَ مِثْلَ مَا رَجَعْت». فَقَدْ نَقَلَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا النَّقْلِ حُجَّةٌ عِنْدَ صَاحِبِهِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا النَّقْلُ كَمَا لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَمْ يَبْلُغْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَثِيرٌ مِنْ الْحَدِيثِ، فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمْ عِلْمُهُ. وَكَانَ رُجُوعُ أَبِي يُوسُفَ إلَى هَذَا النَّقْلِ كَرُجُوعِهِ إلَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ اتَّبَعَهَا هُوَ وَصَاحِبُهُ مُحَمَّدٌ وَتَرَكَا قَوْلَ شَيْخِهِمَا؛ لِعِلْمِهِمَا بِأَنَّ شَيْخَهُمَا كَانَ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَيْضًا حُجَّةٌ إنْ صَحَّتْ لَكِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ. وَمَنْ ظَنَّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِقِيَاسِ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ عَلَيْهِمْ وَتَكَلَّمَ إمَّا بِظَنِّ وَإِمَّا بِهَوَى. 

الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ الْقَدِيمُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بْنِ عفان، فَهَذَا حُجَّةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ. قَالَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى: «إذَا رَأَيْت قُدَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ، فَلَا تَتَوَقَّفْ فِي قَلْبِك رَيْبًا أَنَّهُ الْحَقُّ». وَكَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَهُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا وَقَالَ أَحْمَد: «كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ». وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ وَكَذَلِكَ بَيْعَةُ عَلِيٍّ كانت بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعْقَدْ بِالْمَدِينَةِ بَيْعَةٌ. والْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةٌ وَمَا يُعْلَمُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَمَلٌ قَدِيمٌ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. 

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا تَعَارَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ، كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ جُهِلَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ وَأَحَدُهُمَا يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ؛ فَفِيهِ نِزَاعٌ. فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُرَجِّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُرَجِّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَلِأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا -وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ- أَنَّهُ لَا يُرَجِّحُ . وَالثَّانِي -وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ- أَنَّهُ يُرَجِّحُ بِهِ. قِيلَ: هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد. وَمِنْ كَلَامِهِ قَالَ: «إذَا رَأَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ الْغَايَةُ». وَكَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ تَقْرِيرًا كَثِيرًا، وَكَانَ يَدُلُّ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيَدُلُّ الْمُسْتَفْتِي عَلَى إسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَنَحْوِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَيَدُلُّهُ عَلَى حَلَقَةِ الْمَدَنِيِّينَ حَلَقَةِ أَبِي مُصْعَبٍ الزُّهْرِيِّ وَنَحْوِهِ. وَأَبُو مُصْعَبٍ هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ مَاتَ بَعْدَ أَحْمَد بِسَنَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ أَحْمَد يَكْرَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ وَيَقُولُ: «إنَّهُمْ اتَّبَعُوا الْآثَارَ». فَهَذِهِ مَذَاهِبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ تُوَافِقُ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي التَّرْجِيحِ لِأَقْوَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. 

وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: فَهِيَ الْعَمَلُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْمَدِينَةِ فَهَذَا هَلْ هُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا؟ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّاسِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةِ شَرْعِيَّةٍ. هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفَاضِلُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِهِ (أُصُولِ الْفِقْهِ) وَغَيْرُهُ، ذَكَرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَرُبَّمَا جَعَلَهُ حُجَّةً بَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَيْسَ مَعَهُ لِلْأَئِمَّةِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ بَلْ هُمْ أَهْلُ تَقْلِيدٍ. 

قُلْت (ابن تيمية): وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ مَالِكٍ مَا يُوجِبُ جَعْلَ هَذَا حُجَّةً وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، إنَّمَا يَذْكُرُ الْأَصْلَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فَهُوَ يَحْكِي مَذْهَبَهُمْ. وَتَارَةً يَقُولُ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا يَصِيرُ إلَى الْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ وَتَارَةً لَا يَذْكُرُ. 

وَلَوْ كَانَ مَالِكٌ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَأَخِّرَ حُجَّةٌ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ اتِّبَاعُهَا وَإِنْ خَالَفَتْ النُّصُوصَ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِذَلِكَ حَدَّ الْإِمْكَانِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَهُمْ اتِّبَاعَ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَعَارُضَ فِيهَا وَبِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مُوَطَّئِهِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: «إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ وَإِنَّمَا جَمَعْت عِلْمَ أَهْلِ بَلَدِي» أَوْ كَمَا قَالَ. 

وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَفَاوَتَ فِيهِ مَذَاهِبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ: أَصَحُّ أَقْوَالِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ رِوَايَةً وَرَأْيًا. 

وَأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ حُجَّةً قَاطِعَةً.

وَتَارَةً حُجَّةً قَوِيَّةً. 

وَتَارَةً مُرَجِّحًا لِلدَّلِيلِ إذْ لَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لِشَيْءِ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ. 

وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيمَا يَعْمَلُونَ: 

إمَّا أَنْ يَكُونَ سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛


وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعُوا إلَى قَضَايَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيُقَالُ: إنَّ مَالِكًا أَخَذَ جُلَّ الْمُوَطَّأِ عَنْ رَبِيعَةَ وَرَبِيعَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ؛ وَعُمَرُ مُحَدَّثٌ. وَكَانَ عُمَرُ يُشَاوِرُ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ: كَعُثْمَانِ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ؛ وَسَعْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وَهُمْ أَهْلُ الشُّورَى؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: «اُنْظُرُوا مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُشَاوَرُ».»اهـ(مجموع الفتاوى (20/303 - 311)، باختصار وتصرف).