السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

السبت، 13 أغسطس، 2016

دردشة ٣٣: النهي عن التشبه بالشيطان منه ما هو على سبيل التحريم، ومنه ما هو على سبيل الكراهة، ومنه ما هو على سبيل الإرشاد


دردشة 
النهي عن التشبه بالشيطان منه ما هو على سبيل التحريم، ومنه ما هو على سبيل الكراهة، ومنه ما هو على سبيل الإرشاد.
فالأمور التي تتعلق بتحصيل مصالح الدنيا للشخص؛ إرشادية.
ونسبة الأمر للشيطان تعني اتخاذ الحذر والنفرة منه، لكن ليس دائماً يكون من فعله واقعاً في المحظور الشرعي.

ففي البخاري تحت رقم (949)، ومسلم تحت رقم (829)، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا". وفي رواية قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ، وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى".
الشاهد أنه صلى الله عليه وسلم أقر أنها (مزمارة الشيطان)، وسكت عنها لأنها أيام عيد.
فليس كل ما نسب إلى الشيطان يقال عنه أنه حرام وأن تركه واجب في كل حال.
ولو تأملت الأحاديث التي وردت في نسبة بعض الأفعال إلى الشيطان لتبين أنها ليست جميعها تعني أن ترك هذا الفعل واجب، وأن فعله حرام.
والكلام عن مجرد الفعل، أمّا لو اقترن ذلك بقصد المخالفة، أو عدم المبالاة بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالحالة هنا قد لا تكون مجرد معصية بل ما هو أكبر، ولذلك الرجل الذي أكل بشماله ولم يمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم تكبراً، دعى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم؛
ففي صحيح مسلم تحت رقم (2021) ذكر إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ".
وفهم السلف وعملهم مما يعين في معرفة المراد، فنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن المشي بنعل واحدة، هو نهي إرشادي، إذ مصلحته تعود على الشخص، فإن فعله لا يقال عنه إنه ارتكب محظوراً ومخالفة شرعية، إنما خالف الإرشاد، فقد أخرج الترمذي تحت رقم (1778) وصححه الألباني، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّهَا مَشَتْ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ». ومعلوم أن هذا الفعل منها ظاهر يراه الصحابة، ولم ينكر عليها، فلو كان الحال عندهم أن هذا الفعل حرم لأنكر عليها!
قال ابن الصلاح (ت643هـ) رحمه الله (فتاوى ابن الصلاح 2/698): "النهي عن المشي في نعل واحدة، نهي أدب لا يعصي الرجل بفعله، إلا أن يسمع الحديث فيقصد مخالفته"اهـ.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ،أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا ،فَقَالَ لَهُ:" قِه .قَالَ: لِمَهْ؟ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَشْرَبَ مَعَكَ الْهِرُّ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَكَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ" أخرجه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة تحت رقم (175).
وتصرف أغلب الخلفاء الراشدين من شربهم واقفين وعلى ملأ من الصحابة، بل وإنكار بعضهم على من كره الشرب قائماً، دليل أنهم فهموا النهي للتنزيه والإرشاد، مع أنه ذكر فيه الشيطان.
والله الموفق.