السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تسُرّنا زيارتكم للمدونة، ونسأل الله أن ينفعكم بمحتواها ويزيدكم من فضله

الخميس، 12 مارس 2015

كشكول ٨٠١: فرض المسائل قبل وقوعها ليس بمحظور إذا كان من أجل التعلم، ولم يكن في مسائل بعيدة الوقوع


فرض المسائل قبل وقوعها ليس بمحظور إذا كان من أجل التعلم، ولم يكن في مسائل بعيدة الوقوع.
ومحل ذم فرض المسائل؛
إذا كان يقصد منه رد الحديث. كمن يسأل حتى يرد دلالة الحديث. كما في ما أخرجه البخاري تحت رقم: (1611) عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَنِ اسْتِلاَمِ الحَجَرِ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ». قَالَ: قُلْتُ: «أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ». قَالَ: «اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِاليَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ». وأخرج ابن ماجه تحت رقم: (1175).
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ». قُلْتُ: «أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبَتْنِي عَيْنِي، أَرَأَيْتَ إِنْ نِمْتُ؟». قَالَ: «اجْعَلْ أَرَأَيْتَ عِنْدَ ذَاكَ النَّجْمِ». فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا السِّمَاكُ، ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ قَبْلَ الصُّبْحِ».
إذا كان يقصد منه الانتقاص، أو التعنت . كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} على أحد الأقوال في تفسيرها.
إذا كان يسأل عن أشياء بعيدة الحدوث. وهذا محل الذم في الفقه الآراتي.

والله أعلم.

استنباطات ٢٥: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب»


في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب» فيه أن أي أذية للمسلم تعرض المؤذي إذا لم يتب لعذاب الله، إذا شاء الله عذابه، فـ«كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه».

كشكول ٨٠٠: لماذا نطلب معرفة الأركان والشروط والواجبات والمستحبات؟



لماذا نطلب معرفة الأركان والشروط والواجبات والمستحبات؟

كان الصحابة -رضوان الله عليهم- على طريقتين:
الطريقة الأولى: من يهتم بتقرير السنة، وأن هذا الأمر مما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم-؛
فهذه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكفى.
الطريقة الثانية: من يهتم يتقرير وتعيين ما هو الواجب، وما هو المستحب، وما هو الركن، وما هو الشرط، في كل عمل!
والطريقة الثانية ألجأ إليها ما يتولونه من ولايات تحتاج إلى سياسة الناس ومعرفة أحوالهم، وما يجزيء من العبادة وتبرأ به الذمة وما ليس كذلك!
فإن من يتولى أمور الناس يحتاج إلى معرفة العدل من الناس وغير العدل؛ ليتحقق في الولايات ولاية العدل، ولتقوم الشهادة بالعدل دون غيره، وليعرف من أدى الواجب ومن تركه، فيجرح بذلك بحسب حاله، ومن ترك المستحب ومن فعله، فلا يكون ذلك خارماً.
وهذا أهم مقاصد تعلم أصول الفقه، وهما:
- معرفة ما تبرأ به الذمة من العبادة.
- معرفة ما تنتفي به العدالة وتثبت.
والله الموفق.

استنباطات ٢٤: في قوله -تبارك وتعالى-: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى}



في قوله -تبارك وتعالى-: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، فيه أن على الداعية أن يقبل بدعوته على الضعفاء والفقراء، ولا يغتر بغنى الأغنياء، ولا بمكانة الكبراء، فإن الحق غني عنهم، وأن مسؤولية الداعية البلاغ كما أمره الله. قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً(28) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً (29)}، وفيه أن الدعوة إلى الله لا تكون البداية فيها بالحكام والكبراء، بل بالضعفاء والفقراء.

استنباطات ٢٣: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»



كَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ -صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»؛ ففيه أن هذه الخصال من الإيمان؛ لأنها توجب المحبة بين المسلمين، وفي الحديث: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولم تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».

استنباطات ٢٢: في قوله تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}



في قوله تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3)} فيه أن التقوى من أسباب الفرج والرزق. وأن الله يرزق المتقي من جهات لا يحسب أنه يأتيه منها الرزق. وأن طلب الرزق مع التوكل على الله يجعل المسلم في كفاية الله، فالله يكفيه ما أهمه.

استنباطات ٢١: في قوله -تبارك وتعالى-: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}



في قوله -تبارك وتعالى-: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. (التحريم: 2)، فيه أن العشرة بين المرأة والرجل تكون بالمعروف، وحتى في فراقها بطلاقها يكون بمعروف، ومثله قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. (البقرة: 229).

استنباطات ٢٠: في قوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً* لِلْطَّاغِينَ مَآباً}



في قوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21) لِلْطَّاغِينَ مَآباً} (النَّبأ: 21-22)، فيه أن الطغيان سبب دخول النار، والمراد تجاوز الحد مع ما أرسل الله به النبيين، برده وتكذيبه، وفي سورة النبأ ذكر وصف الطغيان أنه الموجب للنيران، وفي سورة النازعات التي تليها ذكر نموذجاً للطغيان البشري، في قصة موسى -صلى الله عليه وسلم-، فقال: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17)}. (النازعات: 15-17)، وفي سورة عبس التي تلي النازعات ذكر حقيقة هذا الإنسان الطاغي، {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)}، فالتأمت السور الثلاث في التحذير من وصف الطغيان.

استنباطات ١٩: في قوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا* لِلطَّاغِينَ مَآَبًا}. وقوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا}. ونحوها من الآيات التي تذكر العذاب للكافرين والجنة للمتقين



في قوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا* لِلطَّاغِينَ مَآَبًا}. (النَّبأ: 21-22)، وقوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا}. (النَّبأ:31)، ونحوها من الآيات التي تذكر العذاب للكافرين والجنة للمتقين دليل على أن الإنسان ليس بمسير بل مخير، ويحاسب بحسب اختياره، وإلا ما معنى الثواب والعقاب، فإن قيل: ألا يتعارض ذلك مع القدر؟ فالجواب: القدر معناه علم السابق بما كان وبما يكون، وكتابة ذلك في اللوح والمحفوظ، وحدوثه بمشيئته سبحانه، وخلقه القدرة على فعله. فليس فيه معنى الجبر والتسيير وعدم الاختيار من العبد.

استنباطات ١٨: في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}



في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}. (الطلاق:2)، فيه الحاجة إلى معرفة ما يجب وما لا يجب ليعرف المقصر وغيره، فيوصف بحسب ذلك في عدالته الدينية. فمن لم يقصر في الواجبات فهو عدل في دينه، ومن قصر فيها فيجرح بحسب حاله من التقصير. وفيه أن الناس بحاجة إلى الجرح والتعديل؛ لأنهم في كل وقت يحتاجون إلى شهادة العدول، ولا يعرف حالهم إلا بجرحهم وتعديلهم.

استنباطات ١٧: في قوله -تبارك وتعالى-: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}



في قوله -تبارك وتعالى-: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}. (الطلاق:2)، أن التقوى سبب للخروج من المشاكل، وعبر بالفعلية ليشمل هذا كل مسلم فيحصل من فتح أبواب الخروج من المشاكل بحسب حاله من التقوى. فلكل مسلم من الفرج بحسب تقواه، ومن زاد في أفعال التقوى بعمل الطاعة فرج الله بقدر زيادته.

استنباطات ١٦: في قوله -تبارك وتعالى-: {لَاتَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}



في قوله -تبارك وتعالى-: {لَاتَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}. (سورة الطلاق: 1)، فيه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم الغيب.

استنباطات ١٥: في قوله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}



في قوله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. (الطلاق:1)، أن الظلم أنواع، ومراتب، وأكبر الظلم، والظلم العظيم هو الشرك بالله، والمتعد لحدود الله ظالم، وليس ظلمه كالمشرك، فظلم دون ظلم.

استنباطات ١٤: في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}



في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}. (سورة الطلاق: 1)، أن الخطاب قد يأتي خاصاً والمراد به العموم، ففي الآية جاء الخطاب للنبي والحكم عام لجميع الأمة. وفيه أن الطلاق مباح، ومحله إذا وجد سببه. وأن الطلاق المشروع الذي يكون لأول العدة، فلا يقع في حيض أو طهر جامعها فيه.

استنباطات ١٣: في قوله -صلى الله عليه وسلم-، لما ذكر لبث الدجال في الأرض



في قوله -صلى الله عليه وسلم-، لما ذكر لبث الدجال في الأرض أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قَالَ: قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ اليَوْمَ الَّذِي كَالسَّنَةِ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ؟». قَالَ: «لاَ، وَلَكِنْ اقْدُرُوا لَهُ»، فيه أنه لا حرج في افتراض المسألة لمعرفة الحكم، و أن ذلك لا يذم في هذه الحالة.

استنباطات ١٢: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات»



في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات» أن القليل من الناس يعلم الحكم في هذه المشتبهات، فلا يوجد شيء لا يعلم ولا يعرف حكمه من الحلال والحرام.

استنباطات ١١: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»



في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، أن الدين لا يتعارض مع الاخلاق. والعبرة بفتوى العالم لا بحاله.

الأربعاء، 11 مارس 2015

كشكول ٧٩٩: الدرس الخامس لشرح معارج القَبول



[الدرس الخامس لشرح معارج القَبول].
الجمعة: 15 / جمادى الأولى 1436هـ.

لفت نظري ٣٧: مقطع يتداول في الواتساب لشاب يقول -والله أعلم بصدقه- أنه قطع يديه؛ لأنه لم يستطع أن يمنع نفسه عن السرقة!



لفت نظري:
مقطع يتداول في الواتساب لشاب يقول -والله أعلم بصدقه- أنه قطع يديه؛ لأنه لم يستطع أن يمنع نفسه عن السرقة!
هذا التصرف الذي صدر من هذا الشاب ليس بمرضي، فإن الله يحب الستر، ولم يرشد الله خلقه إلى أن يقيموا الحدود على أنفسهم، وكان الواجب على هذا الشاب أن يستر على نفسه ويسعى بالرجوع إلى من يساعده في معالجة نفسه، بالرجوع إلى أهل الاختصاص في ذلك، كالأطباء النفسيين وغيرهم!
فليس من أعمال المسلم أن يقيم على نفسه الحد، لا في السرقة، ولا الزنى، ولا في شرب الخمر، ولا حتى في قتل النفس، إنما يتوب إلى الله توبة نصوحاً، ويسعى إلى إرجاع الحقوق إلى أهلها بما لا يفتضح به، ويتغطى بستر الله عليه.
فليس فعل هذا الشاب محل إشادة في الشرع، ولا رضا. والله الموفق!

استنباطات ١٠: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن جاءت به أحمر قصيرًا»



قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلاَ أُرَاهَا إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ، ذَا أَلْيَتَيْنِ، فَلاَ أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا" فيه أن القرائن لا تقدم على البينات.

استنباطات ٩: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»



قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ»، فيه أن القرائن يعمل بها عند عدم البينات.

استنباطات ٨: قوله تعالى: {ذلك الكتاب}



قوله تعالى: {ذلك الكتاب} فيه إشارة إلى أن القرآن العظيم الأصل فيه أن يجمع بين دفتين، ففعل أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- موافق لهذا، وليس من باب البدعة أصلاً.

استنباطات ٧: معنى «ذلك أضعف الإيمان».



قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «ذلك أضعف الإيمان». معناه أقل ما تبرأ به ذمة المسلم إذا رأى المنكر الإنكار بالقلب، وليس معناه: أن إيمانه ضعيف!

استنباطات ٦: قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أنتم شهداء الله في الأرض»



قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ»، فيه أن المسلم عليه:
- أن يحرص على ما يجعل شهادة أهل الخير والصلاح له بالخير،
- وأنه لا يعيش في الأرض بمفرده،
- وأن يراعي حقوق الغير،
- وأنه لا حرج على المسلم فيما أظهره من عمله، إذا لم يخف على نفسه من الرياء.

استنباطات ٥: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم»



قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم» حث للمسلم أن يسعى إلى ما يحقق ذلك بينه وبين إخوانه، فيدع كل أسباب البغضاء والشحناء والتدابر والتناحر.

استنباطات ٤: «لا تحاسدوا، لا تباغضوا، لا تناجشوا لا تدابروا»



قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحاسدوا، لا تباغضوا، لا تناجشوا لا تدابروا» فيه أن على المسلم أن ينتهي عن كل ما يسبب الحسد والتدابر والتباغض، وأن عليه أن يسعى لتحقيق الإخوة: «كونوا -عباد الله- إخوانا».

استنباطات ٣: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا»



قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»، فيه أن على المسلم أن يسعى إلى كل ما يحقق المحبة بينه وبين المسلمين، ويبتعد عن أسباب النفرة والبغضاء والشحناء.

استنباطات ٢: «لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه»



قول النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» فيه مراعاة الرأي العام.

استنباطات ١: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «على رسلكما إنها صفية»



قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «على رسلكما إنها صفية»، فيه أن على المسلم أن يسعى لرفع أسباب ظن السوء فيه من إخوانه،
- بمنع أسباب ظن السوء به،
- واتقاء وساوس الشيطان،
- والسعي إلى إبعاد الإثم عن الناس،
- والتعاون على البر والتقوى.

الاثنين، 9 مارس 2015

لفت نظري ٣٦: بداية ممهدة للقراءات العصرية للقرآن


لفت نظري:
أن بداية التفسير الموضوعي والتفسير الأدبي في القرن الماضي على يد أمين الخولي كانت لغرض الدراسة لنصوص من القرآن مجردة كالنص الأدبي المجرد.
وهذه تعتبر بداية ممهدة للقراءات العصرية للقرآن.
فقد كان المقصود بدراسة موضوعات القرآن تجريد الآية عن سياقها وقرائن تفسيرها؛ لتكون نصًا مجردًا يدرس أدبيًا.

ولكن الله سلم فقد تبنت أقسام الدعوة الفكرة وسارت بها مسارًا آخر.

قال وقلت ٧٦: تعقيبًا على منشور شبهة في التكفير



نشرت منشوراً بعنوان: (شبهة في التكفيرأوردت فيه كلاماً لابن كثير -رحمه الله- يستدل به من يكفر بالتشريع العام، وينقل فيه الإجماع على أن من حكم القوانين البشرية كافر. فتعقب أحدهم؛
قال: «الأحسن ألا يقال شبهة، بل يقال مسألة مختلف فيها بين أهل العلم؛ فمن العلماء من يكفر بالتشريع العام كالشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ الفوزان، والشيخ صالح آل الشيخ، والشيخ العثيمين في الأصول الثلاثة، وحجتهم في ذلك أن الحاكم المبدل ما نحى الشريعة وأتى بالقانون الوضعي إلا وهو يرى أنه الأصلح والأحسن من حكم الله، ولقد كذب الله من زعم أنه مؤمن وتحاكم إلى الطاغوت فقال: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريدون الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}، فقد كذب الله في إيمانهم؛ لأن يزعم لا تقال إلا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب».

قلت:
في تعقبه نظر؛ وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: الأخ المتعقب أثبت الخلاف في المسألة، بينما ابن كثير نقل الإجماع، فصار كلام ابن كثير شبهة تحتاج للبيان.
ثانياً: كلام ابن كثير -رحمه الله- يلتبس على بعض الناس فهمه، فيحملونه على أنه يكفر بمجرد تحكيم القوانين البشرية، فأردت توضيحه لأزيل اللبس، وهذا محل ثاني للاشتباه.
ثالثاً: مسألة التكفير بالتشريع العام ينسب القول فيها إلى من ذكر، وفي ذلك نظر، وقد أفردت ما نقل عن الشيخ ابن إبراهيم -رحمه الله- بمنشور مفرد يبين أنه ليس من الواضح أنه يكفر بمجرد التشريع العام. وأمّا الشيخ الفوزان والشيخ ابن عثيمين فلهما كلام يجعل إطلاق القول بنسبة هذا إليهما فيه نظر كبير! ولم أقف على كلام للشيخ صالح آل الشيخ -سلمه الله- في المسألة واضح موسع!
رابعاً: المنشور محل الشبهة فيه كلام ابن كثير، لا أصل المسألة.
خامساً: الذي علمنا إيّاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن لا نكفر الحاكم ما لم نر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان؛ ومعنى ذلك أن مسألة التكفير المختلف فيها، لا يكفر المخالف؛ لأنه سيكون متأولاً، والتأويل مانع من التكفير!

والله الموفق.

السبت، 7 مارس 2015

شبهة والرد عليها ٢٥: شبهة في التكفير ٢



شبهة في التكفير (2)
مناط التكفير في الحكم بغير ما أنزل الله هو:
- التشريع العام،
- ووضع القوانين،
- وحمل الناس عليها.
قال سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ العلامة: محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-: «القوانين كفر ناقل عن الملة. اعتقاد أنه حاكمة وسائغة وبعضهم يراها أعظم فهؤلاء نقضوا شهادة أن محمد رسول الله، ولا إله إلا الله أيضًا نقضوها، فإن من شهادة أن (لا إله إلا الله): لا مطاع غير الله، كما أنهم نقضوها بعبادة غير الله. 
وأما الذي قيل فيه: (كفر دون كفر)؛ إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاصٍ وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر، وإن قالوا: أخطأنا وحكم الشرع أعدل ففرق بين المقرر والمثبت والمرجح، جعلوه هو المرجع؛ فهذا كفر ناقل عن الملة»اهـ. (فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ: (12/280).).

رد الشبهة:
أقول: الذي يظهر لي -بحسب فهمي الضعيف فإن أصبت فالحمد لله، وإن أخطأت فأستغفر الله، فهذا مني ومن الشيطان أعوذ بالله منه-: 
إن كلام الشيخ: ليس فيه أن مناط التكفير في الحكم بغير ما أنزل الله هو التشريع العام، وتشريع القوانين الوضعية، بل أزعم أنه يجعل المناط في التكفير كالقول الثاني، ألا تراه يقيد فيقول: «اعتقاد أنه حاكمة وسائغة وبعضهم يراها أعظم». 
فإن قيل: فما توجيه قوله: «وأما الذي قيل فيه: (كفر دون كفر)؛ إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاصٍ وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر»اهـ، فإنه فرَّق بين المرة ونحوها يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله، وبين التشريع العام؟ 
فالجواب: بل كلامه هذا يؤكد أنه: لم يجعل مناط القضية التشريع العام، فإن الحاكم إذا وضع لنفسه قانونًا في القضايا أنه يأخذ كذا مقابل حكمه بكذا في قضية كذا، فهذا تشريع وهو يطبقه لنفسه، تشريعًا عامًّا، ولا يؤثر عندها أن يطبقه مرة أو نحوها أو يجعله قانونًا عامًّا، تشريعًا عامًّا؛ فدل على أن مناط التكفير في الحكم بغير ما أنزل الله عنده هو: ما يقترن بذلك من «اعتقاد أنه حاكمة وسائغة وبعضهم يراها أعظم»، فهذا من كفر الشرك بالله، ولذلك قال الشيخ: «فهؤلاء نقضوا شهادة أن محمد رسول الله، ولا إله إلا الله أيضًا نقضوها، فإن من شهادة أن (لا إله إلا الله): لا مطاع غير الله، كما أنهم نقضوها بعبادة غير الله»اهـ.
يعني: فوقعوا في الشرك، وهو كفر أكبر، قال ابن القيم في (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: (1/ 346).): «وَأَمَّا الكُفرُ الأَكبَرُ، فَخَمسَةُ أَنوَاعٍ: كُفرُ تَكذِيبٍ، وَكُفرُ استِكبَارٍ وَإِبَاءٍ مَعَ التَّصدِيقِ، وَكُفرُ إِعرَاضٍ، وَكُفرُ شَكٍّ، وَكُفرُ نِفَاقٍ»اهـ.
فالحكم بغير ما أنزل الله، يخرج من الملة، إذا اشتمل على شيء من هذه الأنواع،
- فيدخل فيه معنى الشرك بـ «اعتقاد أنه حاكمة وسائغة وبعضهم يراها أعظم». 
- ويدخل فيه معنى التولي والإعراض بالصورة التي يتحقق بها معنى التولي والإعراض، فالشيخ يعتبره كفرًا أكبر من هذه الجهة، لا لمجرد التشريع العام، وعليه فإن مناط التكفير في الحكم بغير ما أنزل الله عند الشيخ محمد بن إبراهيم هو إذا تحقق فيه الشرك بالله، ويرشحه أنه قابل هذه الصورة بقوله: «وأما الذي قيل فيه: (كفر دون كفر)؛ إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاصٍ، وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها»اهـ. 
فهو جعل الحكم بغير ما أنزل الله في المرة ونحوها لا يخرج من الملة؛ لأن المناط هو تحقق «اعتقاد أنه حاكمة وسائغة وبعضهم يراها أعظم»، يؤكد هذا ما صدَّر به مقالته المعروفة بـ(تحكيم القوانين)؛ حيث قال في أولها: «إنَّ من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم-، ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرَّدِّ إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله -عز وجل-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}. [النساء: 59]»اهـ. 
فانظر -يا رعاك الله-: كيف قيد محل التكفير بـ «تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين»، ويؤكد هذا تفصيله في تفسير قول ابن عباس -رضي الله عنه- بما يلتقي مع القول بأن [من حكم بغير ما أنزل وهو يعلم أنه يجب عليه الحكم بما أنزل الله وأنه خالف الشرع، ولكن استباح هذا الأمر ورأى أنه لا حرج عليه في ذلك، وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله؛ فهو كافر كفرًا أكبر عند جميع العلماء؛ كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم ممن زعم أنه يجوز الحكم بها.
أو: زعم أنها أفضل من حكم الله.
أو: زعم أنها تساوي حكم الله، وأن الإنسان مخير إن شاء حكم بالقرآن والسنة، وإن شاء حكم بالقوانين الوضعية؛ من اعتقد هذا كفر بإجماع العلماء كما تقدم. 
أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوًى أو لحظٍّ عاجل وهو يعلم أنه عاصٍ لله ولرسوله، وأنه فعل منكرًا عظيمًا، وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله؛ فإنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر، لكنه قد أتى منكرًا عظيمًا، ومعصية كبيرة، وكفرًا أصغر، كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكب بذلك كفرًا دون كفر، وظلمًا دون ظلم، وفسقًا دون فسق، وليس هو الكفر الأكبر، وهذا قول أهل السنة والجماعة].(مجموع فتاوى ومقالات ابن باز: (5/337).).

والله الموفق.

شبهة والرد عليها ٢٤: شبهة في التكفير



شبهة في التكفير:
الحكم بغير ما أنزل الله كفر بالإجماع. ومناط التكفير الذي يُخرِج من الملة في الحكم بغير ما أنزل الله هو أن الشريعة إذا نُحِّيت ووضع مكانها قوانين وضعية، فهذا تبديل لشرع الله، وهو كياسق جنكيز خان. قال ابن كثير: (تفسير ابن كثير: (3/131).): «وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون}. (المائدة: 50)، ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَاسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}؛ أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون}؛ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن، وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء»اهـ. 
قال ابن كثير في (البداية والنهاية: (13/139).): «فَمَن تَرَكَ الشَّرعَ المُحكَمَ المُنَزَّلَ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللَّهِ خَاتَمِ الأَنبِيَاءِ وَتَحَاكَمَ إِلَى غَيرِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ المَنسُوخَةِ كَفَرَ، فَكَيفَ بِمَن تحاكم إلى الياسا وَقَدَّمَهَا عَلَيهِ؟! مَن فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ بِإِجمَاعِ المُسلِمِينَ»اهـ.

رد الشبهة:
ليس في كلام ابن كثير أن مجرد الحكم بالقوانين الوضعية في تشريع عام هو كفر أكبر، ألا ترى أنه قيد كلامه بقيود، وهي في قوله: «وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَاسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-»اهـ، فذكر قيدين:
- أنها صارت شرعا متبعًا؛ أي: يرون لزومها ووجوبها.
- أنهم يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة.
وبه يظهر أن مناط التكفير في الحكم بغير ما أنزل الله: أن [من حكم بغير ما أنزل وهو يعلم أنه يجب عليه الحكم بما أنزل الله وأنه خالف الشرع، ولكن استباح هذا الأمر ورأى أنه لا حرج عليه في ذلك، وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله؛ فهو كافر كفرًا أكبر عند جميع العلماء؛ كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم ممن زعم أنه يجوز الحكم بها.
أو: زعم أنها أفضل من حكم الله.
أو: زعم أنها تساوي حكم الله، وأن الإنسان مخير إن شاء حكم بالقرآن والسنة، وإن شاء حكم بالقوانين الوضعية؛ من اعتقد هذا كفر بإجماع العلماء كما تقدم. 
أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوًى أو لحظٍّ عاجل وهو يعلم أنه عاصٍ لله ولرسوله، وأنه فعل منكرًا عظيمًا، وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله؛ فإنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر، لكنه قد أتى منكرًا عظيمًا، ومعصية كبيرة، وكفرًا أصغر، كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكب بذلك كفرًا دون كفر، وظلمًا دون ظلم، وفسقًا دون فسق، وليس هو الكفر الأكبر، وهذا قول أهل السنة والجماعة]. (مجموع فتاوى ومقالات ابن باز: (5/337).).

كشكول ٧٩٨: مطوية عن التطبيقات الحديثية



مطوية عن التطبيقات الحديثية أعدها فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم كشيدان -سلمه الله ورعاه-.

كشكول ٧٩٧: حرية الاعتقاد



حرية الاعتقاد
انظر الرابط التالي:

علمني ديني ١٩١: لا يسع الناس بعد البعثة النبوية غير الإسلام الذي جاء به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-


علمني ديني :
أنه لا يسع الناس بعد البعثة النبوية غير الإسلام الذي جاء به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وأنه ليس أمامهم إلا الإسلام أو القتال أو الجزية إن كانوا أهل كتاب.
قال تبارك وتعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. (آل عمران: 85).
عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}، حديث رقم: (25)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حديث رقم: (22).).
في هذا الحديث يبين الرسول أنه أمر بأن يدعو الناس إلى الإسلام: عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يتبعوه في بلاغه عن ربه، فلا حرية لأحد في اعتقاده، بل لابد من الدخول في الإسلام أو القتال.
ويؤيده قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. (الأنفال: 39). 
وخرج من هذا الحكم أهل الكتاب، فلهم أن يبقوا على دينهم ويدفعوا الجزية، فقال جل وعلا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. (التوبة: 29).
بل بين الله -جل وعلا- أنه لا يقبل بعد بعثة الرسول إلا الإسلام، فقال -جل في علاه-: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ}. (آل عمران: 85).
وقال -جل وعلا-: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ}. (آل عمران: 19).
وقرر هذا المعنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». (أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، حديث رقم: (153).).
يعني أنه كافر مخلد في النار؛ فمن لم يكفر الكافر؛ كذَّب الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

سؤال وجواب ١٢١: هل يقع الطلاق المعلق؟



سؤال: «عرفت من صديق بأن أحد أقاربه (صاحب الرواية) اتصل أخو زوجته به وقال له سوف آتي إلى بيتك -بلهجة عدائية- وتعال إلى بيتك (حيث كان خارج البيت) ثم اتصل هذا الشخص بزوجته وقال لها: «إذا دخل أخاك البيت فأنت طالق». ثم وصل أخوها إلى البيت وأدخلته رغم تحذير زوجها لها (كان الزوج خارج البيت) حذرها بأنها طالق فهل يحصل الطلاق بهذه الحالة؟ طلاق واحد أم ثلاث طلقات تعتبر؟ وفي حاله الطلاق التام ماذا يترتب على ذلك؟ وفي حاله الطلاق الواحد ماذا يترتب على ذلك؟ علمًا بأن الرجل قيم، ويستطيع منع أخيها من الدخول لو كان سابقًا له في الوصول. وهل تعتبر المرأة مطيعة لزوجها في هذا أم عاصيه له؟ رغم أن الزوجة تعرف أن أخيها يريد شرًا بزوجها، ورغم هذا فتحت له الباب وأدخلته، ولو كان زوجها وصل وأخيها موجود لحصل شر بينها».

الجواب:
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: جواب سؤالك يا أخي هو التالي:
أولاً: لا ينبغي للمسلم أن يجعل أمر الطلاق على لسانه كلما حدث شيء بينه وبين زوجه، فإنه إن كره منها خلقاً رضي منها آخر، وكذا لا يحسن به أن يحملها وزر أحد من أهلها كأخيها أو أبيها أو خالها أو عمها أو غيرهم، فإن هذا أمر لا يستحسن، والله -عز وجل- يقول: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمّ إلى رَبّكُمْ مّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
ثانياً: أمر الطلاق وما يتعلق به الأفضل أن يرجع فيه إلى الحاكم الشرعي؛ لينظر في القضية بملابساتها، وأنا وغيري ممن تعرض للفتوى إنما نفتي بحسب ما بين أيدينا من سؤال فلتنتبه لهذا، بارك الله فيك!
ثالثاً: ما ذكرته -سلمك الله- من حال هذا الرجل وقوله لزوجه: «إذا دخل أخوك البيت فأنت طالق!»؛ يسميه أهل العلم: الطلاق المعلق.
رابعاً: وصيغة تعليق الطلاق التي فيها معنى الحض والمنع، المرجع فيها إلى نية الزوج! بخلاف الصيغ الأخرى، وذلك أن صيغ الطلاق ثلاث:
- صيغة منجزة مرسلة.
- وصيغة معلقة.
- وصيغة يمين!
وصيغة التنجيز المرسلة كقول الزوج لزوجته: أنت طالق أو مطلقة أو فلانة طالق أو أنت الطلاق أو طلقتك ونحو ذلك! فهذا طلاق مطلق، غير معلق بصفة!
وصيغة اليمين أو القسم كما إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا؛ فهذه يمين باتفاق أهل اللغة والفقهاء، فيحلف بالطلاق على حض نفسه أو غيره أو منع نفسه أو غيره أو على تصديق خبر أو تكذيبه!
وصيغة تعليق كقوله: «إن دخلت الدار فأنت طالق»، أو كما في سؤال الأخ: «إذا دخل أخوك البيت فأنت طالق!»، فهذه الصيغة حكمها هو محل السؤال، والمرجع فيها إلى نية الزوج فإن قصد بتعليقه تعظيم الأمر وتأكيده ولم يقصد الطلاق عند وقوع الصفة بل يكرهه ويكره وقوعه ولا يريده أصلاً؛ فهذه حكمها حكم الطلاق بصيغة اليمين والقسم.
وقد اختلف في الطلاق بصيغة اليمين؛
- فمنهم من قال: يقع بها الطلاق إذا حنث،
- ومنهم من غلب عليها جانب اليمين فلم يوقع به الطلاق بل قال: عليه كفارة يمين، أو قال لاشيء عليه بحال.
والأظهر عندي أن عليه كفارة يمين ولا يلزمه طلاق أصلاً، إذ لم يرده، والله أعلم.
وإن قصد الزوج بهذه الصيغة وقوع الطلاق عند الشرط أو الصفة، فهذا يقع به الطلاق إذا وجدت الصفة، كما يقع المنجز قال ابن تيمية -رحمه الله- (33/46): «عند عامة السلف والخلف»اهـ.
والخلاصة: أن هذا الزوج يُسأل عن نيته،
- فإن كانت نيته إيقاع الطلاق عند الصفة وقعت طلقة على الزوجة!
- وإن كانت نيته تأكيد الأمر وتعظيمه ويكره وقوع الطلاق ولا يريده؛ فهذا عليه إذا وقعت الصفة كفارة يمين، على الأرجح من كلام أهل العلم!
ولعلك علمت مما سبق أن الذي يقع به إذا أراد وقوع الطلاق عند الصفة إنما هو طلقة واحدة فقط!
خامساً: والمرأة عاصية لزوجها بمخالفة أمره في نهيها عن إدخال أخيها إلى بيتها، إذ من حق زوجها عليها أن لا تدخل بيته من لا يرضاه، كما في حديث جابر في صفة حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لما ذكر خطبته -صلى الله عليه وسلم- بعرفة وجاء فيها: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». (أخرجه مسلم).
قال النووي -رحمه الله- عند شرحه للحديث: «والمختار أن معناه ألا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلاً أجنبيًا، أو امرأة، أو أحدًا من محارم الزوجة. فالنهي يتناول جميع ذلك. وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل أو امرأة ولا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو عرف رضاه بإطراد العرف بذلك ونحوه. ومتى حصل الشك في الرضا، ولم يترجح شيء، ولا وجدت قرينة؛ لا يحل الدخول ولا الإذن، والله أعلم»اهـ.
فالمرأة آثمة بمخالفتها لزوجها؛ عليها المبادرة إلى الاستغفار، والندم على تفريطها، والسعي إلى نيل رضى زوجها، والعزم على عدم العود إلى مثل هذا الفعل!
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

سؤال وجواب ١٢٠: هل الجثة الموجودة اليوم المحنطة هي لفرعون موسى؟



سؤال: «قول الله -تبارك وتعالى-: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}. (يونس: 92). فهل في هذا دليل على أن الجثة الموجودة اليوم المحنطة هي لفرعون موسى؟».

الجواب:
لا دلالة في الآية على ذلك، بل الآية تدل على خلافه؛
لأننا نقول: لو كان بقاء جثته آية لمن بعده فلم لم تظهر إلا بعد ألفين سنة تقريباً من غرقه؟ فإنهم لم يكتشفوا هذه الجثث المحنطة إلا في القرن السابق.
ونقول: المذكور في الآية أن جثته هي التي تنجو دون غيره، فلو كان المراد النجاة بالتحنيط لم بقيت جثث أخرى محنطة لفراعنة مصر؟
ولذلك الآية فيما يظهر أنها تتحدث عن تنجيته، وتنحية جثته بعد غرقه؛ ليراه من كان يشك في موته. ففي الدر المنثور: «عن مجاهد -رضي الله عنه- في قوله {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: بجسدك، كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون فألقي على ساحل البحر؛ حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيراً كأنه ثور».
وفي كلام مجاهد -رحمه الله- ما يشير إلى أن هيئة فرعون موسى تختلف عن هذه الجثة المحنطة اليوم، والله أعلم.

كشكول ٧٩٦: التنبه للمفردات القرآنية ودلالاتها



التنبه للمفردات القرآنية ودلالاتها.
لو جاء أحد يفسر قوله تعالى: {ذلك الكتاب} بمعنى: هذا الكتاب؛ لكان في تفسيره هذا قصور في بيان معنى الآية،
نعم هذا التفسير قرب المعنى، لكنه لم يؤد المعنى كاملاً،
لأنك لو نظرت في كتب التفسير الذين يراعون هذه الألفاظ والتراكيب في الأسلوب القرآني تجدهم يقولون: {ذلك الكتاب} لماذا استعمل وصف الإشارة للبعيد، والقرآن قريب بين يدي من يقرؤه، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقرؤه وهو قريب؟ قالوا: الإشارة إلى بُعده، وعلوه، وعظمته؛ لما للقرآن من علو وعظمة ينبغي أن تكون في نفوس الناس؛ لأنه كلام الله.
أو يذكرون على التفسير الإشاري -وهو هنا معنى مقبول-، أن نقول: لبُعد من تلبس بخلاف تعاليمه عن الوقوف على معانيه لبعده في معانيه. مثل قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}. (الواقعة: 79)، فإن أهل العلم قالوا: في هذه الآية إشارة إلى أن من لم يُخَلِّص نفسه وداخله عن المعاصي والذنوب فإنه لا يقف على فهم معاني القرآن، فكذا قوله: {ذلك الكتاب} إشارة إلى بعده وعلوه عن أن يبلغ أفهام من تلبس بالذنوب والمعاصي، فاسم الإشارة (ذلك) فيه: إشارة إلى البُعْد، بينما اسم الإشارة (هذا) فيه: إشارة إلى القرب، والحقيقة: أن هذا القرآن بعيد معنوياً في مكانته وفضله، وبعيد عن أن تنال معاني ألفاظه لمن بَعُدَ عن تعاليمه فائتمر بما فيه من الأوامر وانتهى عما فيه من النواهي، فهذا المعنى باسم الإشارة (ذلك) للبعيد ليس موجوداً في اسم الإشارة (هذا) للقريب؛ فمن فسَّر {ذلك الكتاب} بمعنى: هذا الكتاب، أو هذا القرآن؛ لم يأت بالمعنى المراد بكامله، وإنما قرَّر بعض المعنى.

كشكول ٧٩٥: معلومة حول كتب معاني كلمات القرآن وكتب غريب القرآن



معلومة حول كتب معاني كلمات القرآن وكتب غريب القرآن:

ليس كل ما جاز لغة جاز تفسيراً،
وهناك قوم يستندون في تفسيرهم على الاستدلال، يفسرون الآيات والأحاديث بحسب اللغة، فنتج عن هذا إهمال المرادات الشرعية؛
- فأضاعوا الحقائق الشرعية للألفاظ،
- وأضاعوا الحقائق العرفية للألفاظ،
وبالتالي صار عندنا تفسير قرآن ليس هو التفسير الذي أراده الله سبحانه وتعالى.
وهذا من أكبر الأخطاء في الكتب الصغيرة التي تسمى (كلمات القرآن)، فإن أغلب الذين يفسرون في كلمات القرآن يفسرون من حيث اللغة، وقد سبق ذكر أمر آخر يقع في مثل هذه الكتب وهو: أنه قد يأتي للفظة القرآنية أكثر من معنى وهو لا يورد إلا معنى واحداً، فيتحكم في ذلك، وقد يكون هذا المعنى الواحد بعض المراد لا كله، وهذا قصور!
وكتب غريب القرآن لا تفسر ألفاظ القرآن من جهة معانيها المرادة في الآية، إنما تذكر معنى اللفظ من جهة اللغة، فلا يعتمد عليها لمعرفة معاني القرآن.
ولذلك يخطيء من يظن أن المفردات للأضفهاني في غريب القرآن، بل هو في معاني القرآن، والاسم المثبت على بعض الطبعات خطأ من تصرف الناشرين، والله المستعان.

كشكول ٧٩٤: المؤمن منهي أن يحزن على من لم يدخل في الإسلام، أو يكون في ضيق من مكر أعداء الدين



المؤمن منهي أن يحزن على من لم يدخل في الإسلام، أو يكون في ضيق من مكر أعداء الدين.

قال ابن تيمية -رحمه الله- في شرحه لحديث «بدا الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ»: «وكما أن الله نهي نبيه أن يصيبه حزن أو ضيق ممن لم يدخل في الإسلام في أول الأمر، فكذلك في آخره. فالمؤمن منهي أن يحزن عليهم، أو يكون في ضيق من مكرهم.
وكثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغير كثير من أحوال الإسلام جَزَع وكَلَّ ونَاحَ، كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا؛
بل هو مأمور:
بالصبر،
والتوكل،
والثبات على دين الإسلام،
وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون،
وأن العاقبة للتقوى.
وأن ما يصيبه فهو بذنوبه،
فليصبر، إن وعد الله حق،
وليستغفر لذنبه،
وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ثم يعود غريبًا كما بدأ» يحتمل شيئين:
أحدهما: أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريبًا بينهم ثم يظهر، كما كان في أول الأمر غريبًا ثم ظهر؛ ولهذا قال: «سيعود غريبًا كما بدأ». وهو لما بدأ كان غريبًا لا يعرف ثم ظهر وعرف، فكذلك يعود حتى لا يعرف ثم يظهر ويعرف. فيقل من يعرفه في أثناء الأمر كما كان من يعرفه أولاً.
ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقي مسلمًا إلا قليل. وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة. وحينئذ يبعث الله ريحًا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ثم تقوم الساعة. وأما قبل ذلك فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة». وهذا الحديث في الصحيحين، ومثله من عدة أوجه. فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تزال طائفة ممتنعة من أمته على الحق، أعزاء، لا يضرهم المخالف ولا خلاف الخاذل. فأما بقاء الإسلام غريبًا ذليلًا في الأرض كلها قبل الساعة فلا يكون هذا.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ثم يعود غريبًا كما بدأ» أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه، وقد قال تعالى: «مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ على الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ على الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ». (المائدة: 54). فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك. وكذلك بدأ غريبًا ولم يزل يقوى حتى انتشر. فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة، ثم يظهر، حتى يقيمه الله -عز وجل- كما كان عمر بن عبد العزيز لما ولي. وقد تَغَرَّبَ كثير من الإسلام على كثير من الناس، حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر. فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريبًا.
وفي السنن: «إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». والتجديد إنما يكون بعد الدروس، وذاك هو غربة الإسلام.
وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام، ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكون في شك من دين الإسلام، كما كان الأمر حين بدأ. قال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إليكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}. (يونس: 94)، إلى غير ذلك من الآيات والبراهين الدالة على صحة الإسلام.
وكذلك إذا تغرب يحتاج صاحبه من الأدلة والبراهين إلى نظير ما احتاج إليه في أول الأمر. وقد قال له: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إليكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}. (يونس: 94)، وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}. (الفرقان: 44). وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة. ففي كثير من الأمكنة يخفي عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا بينهم، لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد. ومع هذا، فطوبي لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله، فإن إظهاره، والأمر به، والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. ليس وراء ذلك من الإيمان حَبَّة خَرْدَل».»اهـ. (مجموع الفتاوى: (18/295-299).).

تطبيق حديثي ٤، ٥، ٦، ٧، ٨



تطبيق حديثي (4، 5، 6، 7، 8):
- مثال للضعيف يسير الضعف.
- مثال للحسن لغيره.
- مثال للمتابعة القاصرة.
- مثال للضعيف شديدالضعف.
- مثال لما في سنده وضاع.
أخرج الترمذي في أبواب الجنائز، بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ مَاتَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، حديث رقم: (1074)، قال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ القَبْرِ».
قال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَهَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ، إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَا نَعْرِفُ لِرَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ سَمَاعًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو»اهـ.
تراجم رجال السند: 
مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ.
وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ.
وَأَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ كلهم ثقات.
هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، هو المدنى أبو عباد و يقال أبو سعيد القرشي، يقال له يتيم زيد بن أسلم مولى آل أبى لهب (ويقال مولى بنى مخزوم)، توفي 160 هـ أو قبلها، قال الذهبي: «قال أبو حاتم: «لا يحتج به». وقال أحمد: «لم يكن بالحافظ». قلت: «حسن الحديث». قال ابن حجر: «صدوق له أوهام، ورمى بالتشيع».
سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ هو الليثى مولاهم، أبو العلاء المصرى، مولى عروة بن شييم الليثى (و يقال: أصله من المدينة)، توفي بعد 130 هـ، وقيل قبلها وقيل 149 هـ، قال ابن حجر: «صدوق، لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا إلا أن الساجى حكى عن أحمد أنه اختلط».
رَبِيعَةَ بْنِ سَيْف هو بن ماتع المعافرى الصنمى الإسكندرانى، توفي 120 هـ تقريبًا، الذهبي: قال الدارقطني: «صالح». وقال البخاري: «عنده مناكير». قال ابن حجر: «صدوق له مناكير».
تحقق الاتصال:
الإسناد فيه انقطاع، لم يسمع ربيعة بن سيف من عبدالله بن عمرو بن العاص. قال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَهَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ، إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَا نَعْرِفُ لِرَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ سَمَاعًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو»اهـ.
مرتبة الحديث بهذا الإسناد أنه ضعيف، للانقطاع. وهو ضعيف يسير يصلح للتقوي والانجبار.
وأخرج الحديث أحمد (11/ 627، تحت رقم: 7050) قال: «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ التُّجِيبِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا قَبِيلٍ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ».
تراجم الرجال:
إبراهيم بن أبي العباس، ويقال: العباس، السامري، أبو إسحاق الكوفي (نزيل بغداد، أصله من الأبناء)، قال الذهبي: «وثقه الدارقطني، قال ابن حجر: «ثقة تغير بأخرة فلم يحدث».».
بقية هو ابن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعى الحميرى الميتمى، أبو يحمد الحمصى، توفي 197 هـ، قال الذهبي: «الحافظ، وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات». وقال النسائي: «إذا قال: حدثنا وأخبرنا فهو ثقة». قال ابن حجر: «صدوق كثير التدليس عن الضعفاء».
معاوية بن سعيد هو ابن شريح بن عزرة التجيبى المصرى، ويقال معاوية بن يزيد، مولى بنى فهم من تجيب، قال الذهبي: «وثق». وقال ابن حجر: «مقبول».
أبو قبيل، هو حيى بن هانىء بن ناضر بن يمنع المصرى، أبو قبيل المعافرى (ثم من بني سريع)، توفي 128 هـ بـ البرلس بمصر، قال الذهبي: «وثقه جماعة، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث».». قال ابن حجر: «صدوق يهم».
تحقق الاتصال:
السند مصرح فيه بصيغة صريحة بالتحديث بين جميع رواته، فأمن تدليس بقية.
مرتبة الإسناد:
الحديث بهذا الإسناد حسن لغيره. لحاجة معاوية بن سعد للمتابعة؛ ليتقوى حاله في الضبط، وقد توبع متابعة قاصرة بالسند الأول، حيث التقى الإسنادان في عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، فيرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن لغيره.
وأخرجه عبدالرزاق في المصنف تحت رقم: (5595) بسند ضعيف مرسل، عن ابن جريج عن رجل عن ابن شهاب مرفوعاً.
وأخرجه أبو يعلى في مسنده تحت رقم: (4002) من طريق عبدالله بن جعفر عن واقد بن سلامة، عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعاً، وعبدالله بن جعفر وشيخه واقد، وشيخه يزيد كلهم ضعفاء، فهو أشد ضعفاً، لكن يصلح للتقوي.
وقد جاءت طرق أخرى للحديث لا تصلح للتقوي والانجبار:
عن زيد بن أسلم مرفوعاً، أخرجة الدارقطني في الغرائب والأفراد انظر (أطراف الغرائب والأفراد 3/ 357، تحت رقم: 2899، وقال: «غَرِيب من حَدِيث زيد عَنهُ، تفرد بِهِ أَبُو نعيم عَن خَارِجَة بن مُصعب عَنهُ، وَلم يروه عَنهُ غير بشر بن قافي»، ومن طريقه ابن عساكر في تعزية المسلم (ص: 80)، تحت رقم: 110، قال: «أَخْبَرَنَا أَبِي -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنا أَبُو طَالِبِ بْنُ الْبَنَّاءِ أَنْبَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْأَبَنُوسِيِّ أَنْبَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ نَا أَبُو الْأَسْوَدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ بِشْرِ بْنِ فَافٍ نَا أَبُو نَعِيمٍ نَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنِ مَاتَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ».
وهذا سند شديد الضعف جداً، ففيه خارجة بن مصعب متروك، كان يدلس عن الكذابين، ويقال: «إن ابن معين كذبه». 
وعن جابر أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 155)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ أَبُو الْعَلَاءِ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْوَجِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أُجِيرَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ». غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَمُحَمَّدٍ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ مُوسَى، وَهُوَ مَدَنِيٌّ فِيهِ لِينٌ»اهـ.
وهذا السند فيه عمر بن موسى، نسب إلى وضع الحديث. فلا يصلح للتقوي والاعتبار.

الخميس، 5 مارس 2015

سؤال وجواب ١١٩: ما محل ما نسمعه من أهل العلم من أن تقسيم الأخبار إلى آحاد ومتواتر لم يكن من علوم السلف



سؤال:
«ما محل ما نسمعه من أهل العلم من أن تقسيم الأخبار إلى آحاد ومتواتر لم يكن من علوم السلف، وأنه مما دخل إلى الثقافة الإسلامية تأثراً لمناهج المدرسة العقلية اليونانية؟».

الجواب: 
لم ينكر العلماء -رحمهم الله- إن تقسيم الأخبار من جهة نقلها إلى آحاد ومتواتر وغير ذلك أمر واقعي، ولم ينكروا تفاوت الأخبار في إفادتها للعلم فإنها قضية بدهية.
إنما أنكروا الأمور التالية:
1- أنكروا حصر إفادة العلم على المتواتر، وذلك أن أتباع المدرسة العقلية الذين ساروا على خطى المدرسة اليونانية حصروا إفادة العلم على المتواتر، فعندهم أن خبر الآحاد يفيد الظن مطلقاً، والمتواتر يفيد العلم مطلقاً. أمّا جمهور أهل العلم من أهل المذاهب الأربعة فقالوا: العلم قد يستفاد من المتواتر، وقد يستفاد من قرائن أخرى، منها ما يرجع إلى صفات النافلين، ومنها ما يرجع إلى أمور أخرى كإخراج صاحبا الصحيح له أو أحدهما، أو تلقي الأمة له بالقبول ونحو ذلك. 
2- أنكروا إطلاق القول في أن الآحاد يفيد الظن ولا يفيد العلم، فقالوا: قد يقترن بخبر الآحاد ما يجعله يفيد العلم. بل قال أهل الحديث: إذا ثبت الخبر عن رسول الله أفاد العلم وأوجب العمل.
3- أنكروا تقسيم أبواب الشرع إلى العقيدة والأحكام، فجعل أتباع المدرسة العقلية أبواب العقيدة لا تثبت إلا بيقين، وبما أن الأخبار لا يفيد منها العلم إلا المتواتر، فلا تثبت أمور العقيدة إلا بالمتواتر، أما حديث الآحاد فهو يفيد الظن مطلقاً، على أي حال أو صفة، فلا محل له في أبواب العقيدة، إنما محله في الشرائع والأحكام. هذا التقسيم أنكره أهل السنة والجماعة، فقالوا تقسيم الأخبار إلى متواتر يفيد العلم وآحاد يفيد الظن، والبناء على هذا أن العقيدة لا تثبت إلا بالمتواتر، فالآحاد لا محل له في العقائد، هذا أمر مردود عند السلف وأتباعهم؛ لأن إفادة العلم ليست محصورة في المتواتر، ولأن هذا التقسيم لأبواب الشريعة حادث لم يأت من سلف الأمة.
هذا هو محل إنكار العلماء لقضية تقسيم الأخبار إلى آحاد ومتواتر.
فمن رتب على القسمة حصر إفادة العلم على التواتر، وأن الآحاد ظني مطلقاً على أي حال، وأن أبواب الدين ما تعلق منها بالأحكام يقبل فيه الآحاد، وما تعلق منها بالعقيدة لا يقبل فيها إلا المتواتر؛ من رتب على القسمة هذه الأمور فقد أخذ بقول المعتزلة المتأثرين بعلم اليونان، والله المستعان.

سؤال وجواب ١١٨: أين أجد توثيق قول مالك المذكور؟



قال ابن العربي في عارضة الأحوذي (1/ 87): «وأصل مالك أن شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده»اهـ.
وقال المحقق ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير (3/ 493): «قال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده»اهـ.
وقد وقع السؤال عن: «أين أجد توثيق قول مالك المذكور؟».

والجواب:
وجدت قول مالك المذكور بمعناه في رسالته التي أرسلها لليث بن سعد ونقلها القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك وتقريب المسالك (1/ 41- 44)، ونصها:
«من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد.
سلام عليكم، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو.
أما بعد: 
عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه.
اعلم -رحمك الله- أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه.
وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار}، الآية.
وقال تعالى: {فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}، الآية.
فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام؛ إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله، واختار له ما عنده -صلوات الله عليه ورحمته وبركاته-.
ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله وعمل بغيره.
ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون هذا العمل ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم.
فانظر -رحمك الله- فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أني أرجو أن لا يكون دعائي إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله تعالى وحده، والنظر لك والظن بك، فانزل كتابي منك منزلته، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحاً.
وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر وعلى كل حال.
والسلام عليك ورحمة الله، وكتب يوم الأحد لتسع مضين من صفر».
وكان من جواب الليث عن هذه الرسالة: 
«وإنه بلغك عني أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأنه يحق علي الخوف على نفسي؛ لاعتماد من قبلي فيما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي لا أكره ولا أشد تفضيلاً مني لعلم أهل المدينة الذين مضوا ولا آخذ بفتواهم مني والحمد لله، وأما ما ذكرت من مقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة ونزول القرآن عليه بين ظهراني أصحابه وما علمهم الله منه، وإن الناس صاروا تبعاً لهم فكما ذكرت».
قال القاضي عياض: «أنا اختصرت هذا وأتيت منها بموضع الحاجة، وبالله التوفيق»اهـ.

وموضع الشاهد هو قول مالك -يرحمه الله-: «فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها»اهـ.

كشكول ٧٩٣: لا يصح قول من قال: إن مالكًا خالف حديث: «البيعان بالخيار» تبعاً لعمل أهل المدينة



لا يصح قول من قال: إن مالكًا خالف حديث: «البيعان بالخيار» تبعاً لعمل أهل المدينة؛ فلا إجماع لأهل المدينة على مخالفة هذا الحديث!

قال ابن عبدالبر -رحمه الله- في الاستذكار (6/ 476-477): «وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ فِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي (الْمُوَطَّأِ) بِأَكْثَرِ قَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا».
قَالَ مَالِكٌ: «وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ».
فَقَالَ بَعْضُهُمْ دَفَعَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَعْنَى الْخِلَافِ بِهِ، فَلَمَّا لم ير أحد يَعْمَلُ بِهِ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَإِجْمَاعُهُمْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «إِذَا رَأَيْتَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ الْحَقُّ».
قَالَ: «وَإِجْمَاعُهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ،
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا مَوْجُودٌ بِهَا».
قَالَ: «وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ، أَيْ لَيْسَ لِلْخِيَارِ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ عِنْدَهُ لَيْسَ مَحْدُودًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا حَدَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ، بَلْ هُوَ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمَبِيعِ فَمَرَّةً يَكُونُ ثَلَاثَةً، وَمَرَّةً أَقَلَّ، وَمَرَّةً أَكْثَرَ وَلَيْسَ الْخِيَارُ فِي الْعَقَارِ كَهُوَ فِي الدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: «لَا يَصِحُّ دَعْوَى إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ مَعْلُومٌ
وَأَيُّ إِجْمَاعٍ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ الْمُخَالِفُ فِيهَا مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وبن شهاب وبن أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرُهُمْ وَهَلْ جَاءَ فِيهَا مَنْصُوصًا الْخِلَافُ إِلَّا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا أَيْضًا عَنْ ربيعة فيما ذكر بعض الشافعيين.

وقال بن أَبِي ذِئْبٍ وَهُوَ مِنْ جِلَّةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْبَيِّعَيْنِ لَيْسَا بِالْخِيَارِ حَتَّى يَفْتَرِقَا اسْتُتِيبَ وَجَاءَ بِقَوْلٍ فِيهِ خُشُونَةٌ تَرَكْتُ ذِكْرَهُ وَهُوَ مَحْفُوظٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ».

كشكول ٧٩٢: من هم أهل الرأي؟


من هم أهل الرأي؟
قال شاه ولي الله في حجة الله البالغة (1/ 273): «أَنِّي وجدت أَن بَعضهم يزْعم أَن هُنَالك فرْقَتَيْن لَا ثَالِث لَهما، أهل الظَّاهِر، وَأهل الرَّأْي.
وَأَن كل من قَاس، واستنبط فَهُوَ من أهل الرَّأْي؛
كلا وَالله، بل لَيْسَ المُرَاد بِالرَّأْيِ نفس الْفَهم وَالْعقل، فَإِن ذَلِك لَا يَنْفَكّ من أحد من الْعلمَاء، وَلَا الرَّأْي الَّذِي لَا يعْتَمد على سنة أصلاً، فانه لَا يَنْتَحِلهُ مُسلم أَلْبَتَّة، وَلَا الْقُدْرَة على الاستنباط وَالْقِيَاس، فان أَحْمد وَإِسْحَق بل الشَّافِعِي أَيْضًا لَيْسُوا من أهل الرَّأْي بالِاتِّفَاقِ، وهم يستنبطون ويقيسون.
بل المُرَاد من أهل الرَّأْي قوم توجهوا بعد الْمسَائِل الْمجمع عَلَيْهَا بَين الْمُسلمين، أَو بَين جمهورهم إِلَى التَّخْرِيج على أصل رجل من الْمُتَقَدِّمين، فَكَانَ أَكثر أَمرهم حمل النظير على النظير، وَالرَّدّ إِلَى أصل من الْأُصُول دون تتبع الْأَحَادِيث والْآثَار.
والظاهري من لَا يَقول بِالْقِيَاسِ، وَلَا بآثار الصاحبة وَالتَّابِعِينَ كدواد وَابْن حزم.

وَبَينهمَا الْمُحَقِّقُونَ من أهل السّنة كأحمد وَإِسْحَاق»اهـ.

كشكول ٧٩١: الدرس الرابع من شرح معارج القبول


الدرس الرابع من شرح معارج القبول للشيخ محمد بن عمر بازمول -حفظه الله-.
8 / جماد الأولى / 1436هـ



تطبيق حديثي ٣


تطبيق حديثي (3)

مثال للضعيف:
قال الدارقطني -رحمه الله- في سننه (2/ 120، تحت رقم: 1247): 
«حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَّانِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا قِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ». هَذَا مُرْسَلٌ».
تراجم رجال السند:
• محمد بن مَخْلَد بن حفص، أبو عبد الله الدُّوريُّ العَطَّار. المتوفى: 331 هـ، سُئل عنه الدارقطني فقال: «ثقة مأمون».
• محمد بن إسماعيل بن البختري الحساني، أبو عبد الله الواسطي الضرير (نزيل بغداد، وقيل: سكن سامراء)، توفي سنة 258 هـ، قال الذهبي: «ثقة». رتبته عند ابن حجر: «صدوق».
• علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، أبو الحسن القرشي التيمي مولاهم، توفي سنة 201 هـ، قال الذهبي: «ضعفوه». قال ابن حجر: «صدوق يخطىء ويصر، ورمى بالتشيع».
• محمد بن سالم الهمداني، أبو سهل الكوفي، قال الذهبي: «قال أبو حاتم: شبه متروك». وقال النسائي: «لا يكتب حديثه». قال ابن حجر: «ضعيف».
• عامر بن شراحيل، وقيل ابن عبد الله بن شراحيل، وقيل ابن شراحيل بن عبد، الشعبي، أبو عمرو الكوفي، من الوسطي من التابعين، توفي بعد 100 هـ، قال الذهبي: «أحد الأعلام». قال ابن حجر: «ثقة مشهور فقيه فاضل».
تحقيق الاتصال:
لم يتحقق شرط الاتصال، فالحديث يرويه تابعي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو مرسل، والإرسال من الانقطاع.
مرتبة الحديث:
لم يتحقق في بعض رجال السند شرط العدالة والضبط. مع كونه مرسلا؛

فالحديث: إسناد ضعيف مرسل.

تطبيق حديثي ٢


تطبيق حديثي (2):

مثال للحديث الحسن:
قال الدارقطني -رحمه الله- في سننه (1/ 70، تحت رقم: 121): «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، نا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ». إِسْنَادٌ حَسَنٌ»اهـ.
تراجم رجال السند:
• أبو بكر النيسابوري من شيوخ الدارقطني ثقة.
• محمد بن عقيل بن خويلد بن معاوية الخزاعي، أبو عبد الله النيسابوري (كان من أعيان علماء نيسابور)، توفي سنة 257هـ، قال الذهبي: «وثقه النسائي»، قال ابن حجر: «صدوق حدث من حفظه بأحاديث فأخطأ في بعضها».
• حفص بن عبدالله، هو حفص بن عبد الله بن راشد السلمي، أبو عمرو، ويقال أبو سهل، النيسابوري (قاضيها، والد أحمد بن حفص)، توفي سنة 209 هـ، قال الذهبي: «صدوق»، وقال ابن حجر: «صدوق».
• إبراهيم بن طهمان. ثقة.
• أيوب السختياني ثقة.
• نافع مولى ابن عمر. ثقة.
التحقق من الاتصال:
اتصل السند بصيغة التحديث. 
والعنعنة الموجودة فيه بين ثقات ثبت لقاؤهم لبعضهم بعضاً، ولا يعرفون بالتدليس؛ فهي محمولة على السماع.
انتفاء الشذوذ والعلة:
سبيله النظر في طرق وأسانيد الحديث، وأحاديث الباب.
مرتبة الحديث:

الحكم على السند بمجرده أنه إسناد حسن.

تطبيق حديثي ١



تطبيق حديثي (1):

مثال للصحيح:
قال الدارقطني في سننه (2/ 151، تحت رقم: 1309): 
«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ.
ثنا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ.
ثنا إِسْمَاعِيلُ.
عَنْ أَيُّوبَ.
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ.
قَالَ: جَاءَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ مَسْجِدَنَا فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأُصَلِّي وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي». قَالَ: «فَقَعَدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ».
هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ»اهـ.
حال الرواة: 
• عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ، هو ابن أبي داود، وهو ثقة. قال في لسان الميزان (4/ 490): «الحافظ الثقة صاحب التصانيف. وثقه الدارقطني فقال: «ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث». وذكره ابن عَدِي فقال: «لولا ما شرطنا وإلا لما ذكرته» إلى أن قال: «وهو معروف بالطلب، وعامة ما كتب مع أبيه هو مقبول عند أصحاب الحديث».
• زياد بن أيوب هو زياد بن أيوب بن زياد الطوسي البغدادي، أبو هاشم، يلقب دلويه (ولقبه أحمد: شعبة الصغير)، توفي 252 هـ. قال ابن حجر: «ثقة حافظ».
• إِسْمَاعِيلُ هو «ابن علية مولى بنى أسد وهو إسماعيل بن إبراهيم بن سهم وعلية أمه كان مولده سنة عشر ومائة ومات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. قال الذهبي: «إمام حجة». قال ابن حجر: «ثقة حافظ».
• أيوب هو ابن أبي تميمة: كيسان السختياني، أبو بكر البصري، مولى عنزة، ويقال مولى جهينة، توفي 131 هـ، قال الذهبي: «الإمام»، قال شعبة: «ما رأيت مثله، كان سيد الفقهاء». قال ابن حجر: «ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد».
• أبو قلابة، هو عبد الله بن زيد بن عمرو، ويقال ابن عامر بن ناتل بن مالك، الجرمي، أبو قلابة البصري، توفي سنة 104 هـ وقيل بعدها بـ الشام، قال الذهبي: «من أئمة التابعين». وقال ابن حجر: «ثقة فاضل كثير الإرسال». قال العجلى: «فيه نصب يسير». 
تحقق الاتصال:
اتصل السند بصيغة صريحة في السماع، وهي التحديث. (حدثنا)
والعنعنة بين أسماعيل وأيوب وبين أيوب وأبي قلابة لا تضر؛ لأنها بين ثقات لا يعرفون بالتدليس، فهي محمولة على السماع.
وإرسال أبي قلابة لا يؤثر؛ لأن في الرواية ما يدل على سماعه عن مالك بن الحويرث، فهو يقول: «جَاءَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ مَسْجِدَنَا فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُصَلِّي ...»، فأمن من إرساله، بل قال في جامع التحصيل في أحكام المراسيل (ص: 211)، في ترجمة أبي قلابة: «روايته عن مالك بن الحويرث وأنس بن مالك وثابت بن الضحاك متصلة وهي في الكتب الستة والله أعلم»اهـ.
فتحقق في الإسناد:
- اتصال السند.
- عدالة الرواة.
- ضبط الرواة.
وبقي انتفاء الشذوذ والعلة، وهذا طريقه مراجعة الأسانيد والطرق الأخرى للحديث، والنظر في أحاديث الباب، إذا لم يكن هذا الحديث يخالفها. 
وعليه فالحكم هو أنه إسناد صحيح؛ كما قال الدارقطني -رحمه الله-!
ويمكن أن يكون الحكم: حديث صحيح؛ وأن هذا مراد الدارقطني حيث لم يتبين له وجود شذوذ أو علة، ويكون قوله : «إسناد صحيح»، بمعنى: «حديث صحيح»، كما هي طريقة أئمة الشأن، والله أعلم.